مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٧٥
الفسخ و بعده، و قد ثبت وجوده قبل الفسخ بالإجماع، و ينفي وجوده بعده ب (لا ضرر)، فإنّ نفي اللزوم - عندئذ - نفي لبقاء الضرر، و ليس هذا تداركا للضرر، و إنّما يكون تدارك الضرر بمثل جعل الأرش، و أمّا جعل الخيار فهو نفي للضرر، إمّا حدوثا كما هو الصحيح، أو بقاء، كما هو مختار المحقّق الأصفهاني رحمه اللّه.
الإيراد الرابع: - و هو في الحقيقة محاولة لإثبات عدم انطباق القاعدة على كلام الفقهاء في المقام - هو أنّهم حكموا بسقوط هذا الخيار بالإسقاط، و هذا من آثار الجواز الحقّيّ، مع أنّ «لا ضرر» إنّما يدلّ على الجامع بين الجواز الحقّي و الحكمي في المقام، فكيف ثبت الجواز الحقّيّ هنا؟ و الجواب: أنّه يمكن إثبات نتيجة حقّيّة الجواز في المقام، أي: إثبات سقوط هذا الخيار بالإسقاط بما سوف يأتي - إن شاء اللّه - من أنّ الضرر الّذي يقدم عليه لا ينفي بقاعدة (لا ضرر)، و التزامه بالبيع بعد معرفة الغبن إقدام على هذا الضرر، و لا فرق في ذلك بين كون الإقدام في مرحلة البقاء أو في مرحلة الحدوث، فكما أنّ من علم بالغبن و مع ذلك أقدم على المعاملة لا خيار له، كذلك من لم يعلم بالغبن و عامل ثمّ عرف الغبن و التزم بالمعاملة الصادرة سقط خياره بالإقدام على الضرر. و بذلك تثبت نتيجة الحقّ في المقام [١].
بل يمكن إثبات ذات الحقّ في المقام، و توضيح ذلك: أنّ الحكم الّذي كان يأتي من قبله الضرر، و الّذي ارتفع بقاعدة (لا ضرر) كان هو لزوم البيع الغبنيّ حسب الفرض، و هذا اللزوم كان لزوما حقّيّا، و لم يكن لزوما حكميّا، أي: أنّه من حقّ أحد المتبايعين على الآخر عدم فسخ المعاملة، و لذا ترى أنّه من الصحيح أن يفسخ أحد المتبايعين البيع إذا أقاله صاحبه، و هذا بخلاف النكاح الّذي لا مورد للإقالة فيه، و هذا يعني أنّ لزوم النكاح لزوم حكمي، في حين أنّ لزوم البيع لزوم حقّيّ.
و التكييف العقلائي لكون لزوم البيع لزوما حقّيّا لا حكميّا هو ما يلي:
إنّ البيع كما يدلّ على الالتزام بتمليك المال للطرف المقابل، كذلك يدلّ بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة على تمليكه إيّاه نفس هذا الالتزام، فإنّ هذا الالتزام يكون بغض النّظر عن هذا التمليك ملكا للمالك الأوّل، فله أن يتراجع عن التزامه في أي
[١] لا نرى فارقا ماهويّا بين الحقّ و الحكم عدا كون أمر الحقّ بيد ذي الحقّ، فيكون له إسقاطه، فمتى ما ثبت جواز الإسقاط فقد ثبت الحقّ.