مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٧٤
الإيراد الثاني: أنّه لا يمكن تطبيق قاعدة (لا ضرر) في المقام، فإنّه إنّما يندفع بها حدوث الضرر، و الحدوث قد تحقّق حتما بصحّة البيع، و إنّما الكلام في البقاء، و قاعدة (لا ضرر) لا تنفي الوجود البقائي بعد فرض حدوث الشيء.
و هذا الإيراد قد عرفت حاله بحسب تفرّعه على المباني، أي: عرفت أنّه إنّما يتّجه بناء على استظهار كون المنفي حدوث الشيء، و استظهار كون مصبّ النفي الضرر الخارجي، أو كونه هو الحكم، لكن بشرط أن يرى اللزوم و الصحّة حكما واحدا.
و الجواب عن هذا الإيراد: هو أنّ الصحّة بما هي ليست ضرريّة، فإنّ الضرر ليس عبارة عن مجرّد النقص، و إنّما هو النقص الموجب للضيق النفسيّ، و الحرج الباطني الّذي يكون في خصوص ما إذا فرض عدم تمكّن الشخص من التخلّص عن النقص المتوجّه إليه.
و الخلاصة: أنّ (لا ضرر) - على ما سوف يأتي تفصيله إن شاء اللّه - لا يشمل النقص الّذي يكون تحت اختيار الشخص، و يمكنه رفعه و إزالته. و مبنيّا عليه نقول في المقام: إنّ الصحّة بما هي ليست ضرريّة، فإنّ الضرر إنّما يتحقّق بعد فرض ترتّب اللزوم على العقد الصحيح، إذ لو فرضت الصحّة وحدها كانت إزالة النقص تحت سلطان المغبون، و ذلك بأن يفسخ المعاملة، فالضرر إنّما ينشأ من الحكم الأخير، و هو الحكم باللزوم، و مهما ترتّب ضرر على أحكام مترتّبة بحيث لا يتحقّق الضرر إلاّ بعد ترتّب كلّ تلك الأحكام الطوليّة، فلا محالة إنّما يرفع به الحكم الأخير دون ما قبله تقديرا للضرورة بقدرها. نعم لو فرض أنّه على تقدير الصحّة لا مناص من الحكم باللزوم، تكون الصحّة ضرريّة لا محالة، و تنطبق عليها قاعدة (لا ضرر)، فتطبيقها على الحكم باللزوم حاكم على تطبيقها على الحكم بالصحّة. و بهذا يرتفع الإشكال سواء فرض بهذه الصياغة، أو بالصياغة التي مضت عن المحقّق الأصفهانيّ قدّس سرّه.
الإيراد الثالث: أنّ (لا ضرر) يدلّ على نفي الضرر، لا على تدارك الضرر، فلا بدّ أن يدلّ هنا على بطلان البيع، لا على ثبوت الخيار بعد فرض صح ّته، فإنّ هذا تدارك للضرر.
و يرد عليه: أنّ هذا لا يتمّ لا على مبنانا، لما عرفت من أنّ الضرر إنّما يحدث باللزوم، و الصحّة وحدها ليست ضرريّة، فنفي اللزوم نفي للضرر لا تدارك له. و لا على ما مضى من مبنى المحقّق الأصفهاني قدّس سرّه من أنّ الضرر له وجود مستمرّ قبل