مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٥٩
و الأصحاب بعد الغفلة عمّا ذكرناه ابتلوا بإشكال كثرة التخصيصات، لوضوح ضرريّة مثل الجهاد، و القصاص، و الضرائب الماليّة و نحو ذلك، فأجابوا عنه بعدّة أجوبة، نذكرها هنا بعد طيّ ما أبداه الشيخ الأعظم قدّس سرّه: من كون التخصيص بعنوان واحد«»، و عدم قبول هذا الوجه من قبل المتأخّرين عنه، فقال بعض بعدم الفرق بين كون التخصيص بعنوان واحد و عدمه، و قال بعض: إنّ المقام من القضايا الخارجيّة، و هذا الفرق إنّما يتمّ في القضايا الحقيقيّة.
الجواب الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه: من أنّ حديث (لا ضرر) ظاهر في كون الضرر مانعا عن الحكم، فلا يشمل فرض كون الضرر بنفسه مقتضيا للحكم، كما في الموضوعات التي تكون من أصلها ضرريّة، فهو يختصّ بالحكم بما لا يكون ضرريّا في نفسه، و تتّفق ضرريّته في بعض الأوقات، فيرفع إطلاقه«».
و يرد عليه: أنّ المتعلّقات الضرريّة كالجهاد، و الخمس، و الزكاة و غير ذلك ليس المقتضي للحكم فيها الضرر المترتّب عليها، و إنّما المقتضي له المصالح المترتّبة عليها، فليدلّ الحديث على مانعيّة الضرر فيها.
الجواب الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني قدّس سرّه: من أنّ حديث (لا ضرر) حاكم على الأحكام بملاك النّظر إليها، و النّظر إلى الحكم فرع فرض الفراغ عن ثبوت ذلك الحكم، إذن فينحصر الأمر في كون الحديث رافعا لإطلاق الحكم، لا نافيا لأصل الحكم، فلا يشمل الحكم الّذي يكون ضرريّا من أصله«».
و يرد عليه: أنّ الحديث ناظر إلى الشريعة بما هي مجموعة قوانين و أحكام، لا إلى الأحكام بما هي فردا فردا فينفي ثبوت الحكم الضرري في هذه الشريعة، فينتفى بذلك - لا محالة - الحكم الضرري من أصله. كما ينتفي به الإطلاق الضرري للحكم.
الجواب الثالث: ما ذكره المحقّق النائيني قدّس سرّه أيضا«»: من دعوى عدم ضرريّة تلك الأحكام في الغالب، و ذلك بإبداء نكات خاصّة في كلّ واحد واحد منها: