مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٣٠
معنى المشاركيّة (بالكسر) على نحو التقييد، فإذا قال: (ضارب زيد عمرا) دلّ ذلك على ضرب زيد لعمرو المقيّد بكونه مشاركا لعمرو، و كأنّما قال: شارك زيد عمرا في الضرب، فباب المفاعلة يكون بين الاثنين بنحو يكون أحدهما فاعلا و الآخر مفعولا به، لما عرفت من أنّه يدلّ على نسبة المادّة إلى الفاعل مع إشراب معنى المشاركيّة، فلا تلزم دلالة هيئة واحدة على معنيين، و لا عدم الفرق بين باب المفاعلة و التفاعل، و لا عدم إعطاء المفاعلة معنى يكون بين اثنين.
هذا. و لكنّه لا يمكن المساعدة على هذا الّذي يستفاد من كلامهم، لاختلاف معنى باب المفاعلة عن معنى (شارك زيد عمرا)، فإنّه في مثل هذا يكون الأصل بحسب المتصوّر الذهني هو المنصوب، و التابع هو المرفوع، مع انّ المستفاد من باب المفاعلة هو العكس، نعم، لو فرض تضمين معنى المشاركيّة (بالفتح) لا المشاركيّة (بالكسر) ارتفع هذا الإشكال.
و أمّا القسم الأوّل من كلامه قدّس سرّه فيرد عليه:
أوّلا: أنّ ما أتى به من الأمثلة و هي أربعة عشر مثالا، بل جميع ما يكون من قبيل تلك الأمثلة - إن وجد غيرها - لا يكون بمقدار ينافي ما يدّعى: من أنّ الأصل في باب المفاعلة هو أن يكون بين الاثنين.
و ثانيا: أنّ جملة ممّا ذكره من الأمثلة إمّا تكون ممّا لا مجرّد له، أو ممّا يكون له مجرّد بغير معناه كبارز، و ساعد، و نادى، و نافق، و وأرى، و باشر، و بعضها و إن كان له مجرّد بمعناه، لكنّه موضوع لمعنى لا يناسب أن يكون بين اثنين، كخالع و كآخذ مثلا بمعنى المعاقبة، فبما أنّها من العالي إلى السافل فوقوعها بين الاثنين بعيد عن الاعتبار، و مراد المشهور من وضع المفاعلة لما بين الاثنين: هو المفاعلة المأخوذة من المجرّد الّذي يلائم معناه لفرض وقوعه بين الاثنين.
هذا كلّه لو فرضنا أنّ المراد بالأصل في المقام هو الغلبة. و أمّا لو قلنا: إنّ المراد بذلك هو أنّ باب المفاعلة بلحاظ سائر معانيه إنّما كان لشبهها بما بين الاثنين، فالمحور لمعاني باب المفاعلة الّذي تكون بقيّة المعاني بلحاظه هو هذا المعنى، فسافر مثلا لوحظت فيه مشابهته لما بين الاثنين من حيث إنّ ما يقع بين الاثنين كأنّه له نحو امتداد، و السفر - أيضا - له نحو امتداد لطوله، فلو فرضنا أنّ المراد هو ذلك، كما هو الأقرب إلى الاعتبار لا يأتي عليه الإشكال الّذي أورده مهما كثرت أمثلة سائر المعاني غير معنى ما بين الاثنين ما دامت ملحوظة فيها جهة الشبه بذاك المعنى.