مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥١٦
و إمّا أن يكون من ناحية تقطيع نفس الإمام الصادق عليه السلام أو الرّواة. و إمّا أن يكون من ناحية تقطيع أصحاب الجوامع وضعا لكل حديث في موضعه المناسب له. و الأوّلان مستبعدان فيتعيّن الثالث.
و الجواب: أنّ هذه الأقضية لم تكن رواية واحدة صادرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في مجلس واحد نقلها عبادة، و إنّما هي روايات متعدّدة جمعها عبادة في سياق واحد من باب الجمع بين المتفرّقات بجامع كونها أقضية النبي صلّى اللّه عليه و آله و ليس الإمام الصادق عليه السلام مسئولا عن سلوك نفس الطريقة التي اتّخذها عبادة.
و أمّا المقدّمة الثالثة: و هي دعوى شدّة المطابقة فقد ظهر بطلانها ممّا مضى.
ثمّ لو فرض تماميّة المقدّمات الثلاث فما الّذي يستنتجه شيخ الشرعية قدّس سرّه؟ هل يقول: إنّ رواية عقبة بعد أن ظهر أنّها كانت مشتملة على جميع تلك الأقضية مثلا تفقد ظهورها في ذيليّة حديث (لا ضرر) فلا تعارض رواية عبادة؟ أو يقول: إنّه يضعف ظهورها في ذلك فيتقدّم ظهور رواية عبادة عليها؟ فإن ادّعى الأوّل قلنا: إنّ هذا خلاف أمانة الموزّعين للروايات، فلا بدّ أن يحمل توزيعهم على أنّ الرواية قبل التوزيع كانت بنحو و محفوفة بقرائن تدلّ على نفس ما تدلّ عليه بعد التوزيع من الذيليّة إن احتمل ذلك احتمالا عقلائيّا. و فيما نحن فيه لا ندّعي احتمال ذلك بل ندّعي القطع بذلك، و نقول: إنّه حتى مع فرض الجمع بين هذه الأقضية يكون ظهور الرواية في الذيليّة محفوظا قويا، إذ لو لم تكن ذيلا و مرتبطة بحديث الشفعة فلما ذا توسّط بين الحكم بالشفعة و بيان قيده في قوله: قال قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالشفعة، و قال: «لا ضرر و لا ضرار»، و قال: «إذا أرّفت الأرف و حدّت الحدود فلا شفعة»؟ هذا أوّلا.
و ثانيا: لما ذا افتتح ب (قال) مع أنّ كلّ الأقضية افتتحت ب (قضى)، أو بقوله: «من قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ و من العجيب ما ذكر في المقام من أنّ الافتتاح ب (قال) دليل على كونه حديثا مستقلاّ، و إلاّ لما كان يحتاج إلى كلمة (قال)، بل كان يعطف على ما قبله من دون ذكر كلمة (قال)، فإنّه من الواضح: أنّه لم يكن يمكن عطفه على ما قبله من دون كلمة (قال)، فإنّ ما قبله نقل بعنوان حكاية فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو قضاؤه، لا بعنوان حكاية قوله و لم يقل: «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الشفعة بين الشريكين ثابتة» مثلا حتّى يعطف عليه قوله: «و لا ضرر و لا ضرار»، و إنّما قال: «قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بكذا»، فلا بدّ له من الافتتاح بمثل كلمة (قال).