مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٦
أصلين مركوزين في نظر العقلاء حتّى يصرف إليهما الدليل اللفظي الدالّ عليهما، و لذا لا نقبل الاستدلال على الاستصحاب بالسيرة العقلائيّة.
فإن قلت بالنسبة لخصوص أصالة الطهارة: إنّ مرجعها بحسب الحقيقة إلى البراءة و الإعفاء عن آثار النجاسة، فهي شعبة من شعب أصالة البراءة، فالارتكاز المحكّم في الأصل يحكّم في هذه الشعبة أيضا.
قلت: ليس الأمر كذلك، فإنّ أصالة الطهارة ليست مخصوصة بخصوص موارد البراءة العقلائيّة من قبيل التأمين عن حرمة شرب الماء المحتمل النجاسة، و لا يقوم دليل أصالة الطهارة فقط بوظيفة البراءة و إنّما يقوم - أيضا - بوظائف أخرى مهمة لا تقوم بها البراءة، بل لو لا أصالة الطهارة لكان الجاري عند العقلاء و العقل أصالة الاشتغال، فمثلا: دليل أصالة الطهارة يحرز وجود الشرط للواجب في الموارد التي يعلم بتعلّق التكليف فيها بالوضوء بالماء الطاهر، مع أنّ الأصل العقلي و العقلائي عند الشكّ في ذلك هو الاشتغال، لأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني [١].
الوجه الثاني: إيقاع المعارضة بين إطلاق دليل البراءة و إطلاق قوله تعالى:
حتّى يبيّن لهم ما يتقون و هذا الوجه كما ترى يأتي هنا أيضا، فلو وجدت رواية في كتاب الوسائل تدلّ على النجاسة، أو على خلاف الحالة السابقة كان هذا بيانا و دخل في الآية الشريفة.
الوجه الثالث: احتمال القرينة المتّصلة بلحاظ شدّة اهتمام الشارع بإيصال التكليف، و إفناء الشكّ في التكليف في الشبهات الحكميّة، و هذا الوجه كما ترى لا يفرق فيه بين البراءة و أصالة الطهارة و الاستصحاب النافي للتكليف.
الوجه الرابع: حكم العقل، و قد قلنا: إنّه يرجع إلى حكم العقلاء فيرجع إلى الوجه الأوّل. و قد تقدّم الكلام فيه.
الوجه الخامس: دعوى أنّه قبل الفحص نحتمل وجود حجّة على التكليف الإلزامي ّ أو على النجاسة، فيكون التمسّك بالعموم تمسّكا به في الشبهة المصداقيّة.
[١] لعلّ المقصود بهذا الكلام تنبيه الوجدان على أنّ مضمون أصالة الطهارة من حيث اللّسان يختلف عن مضمون أصالة البراءة و إن اشتركا في التأمين، فأصالة البراءة تثبت التأمين بلسان التأمين مباشرة، و لكنّ أصالة الطهارة تثبت التأمين بلسان إثبات الطهارة، فلا تحمل عرفا على حدود البراءة العقلائيّة، بل تبقى شاملة لموارد الافتراق.