مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٨
فقد تحصّل أنّ شيئا من وجوه لزوم الفحص لا يتمّ في المقام إلاّ الوجه الأوّل و السابع، و هما لا يقتضيان أكثر من الفحص إلى درجة يقف المكلّف موقفا يحتمل عادة وصول التكليف إليه، هذا كلّه إذا بقينا نحن و الأدلّة العامّة للبراءة الشرعيّة.
أخبار عدم وجوب الفحص و لكن هناك روايات خاصّة صريحة في عدم وجوب الفحص حتّى بهذه المرتبة، فإمّا أن نعمل بها في خصوص موردها، و أمّا أن نتعدّى منها إلى غير موردها - أيضا - في سائر الشبهات الموضوعيّة حسب ذوق الفقيه:
منها: صحيحة زرارة الثانية في باب الاستصحاب: «فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه شيء أن أنظر فيه؟ فقال: لا، و لكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الّذي وقع في نفسك»«».
فهذه تدلّ على الإعفاء حتّى لهذه المرتبة من الفحص، و هي النّظر، و هذا من أوضح مصاديق غمض العين و التهرّب من وصول التكليف.
و منها: ما ورد - أيضا - في باب الطهارة و النجاسة عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول:
«ما أبالي أ بول أصابني أو ماء إذا لم أعلم»«»فقوله: (ما أبالي) واضح عرفا في أنّه لا يتصدّى لأيّ مرتبة من مراتب الفحص.
و منها: رواية عبد اللّه بن سليمان في الجبن قال: «كلّ شيء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة»«».
فهذه العبارة لا يبعد - أيضا - أن يكون لها ظهور في أنّه إن جاءك شاهدان و أنت في مكانك بلا حاجة إلى أن تفحص أنت، فحينئذ يحكم بالحرمة و النجاسة، و ما لم يصل إليك الواقع لم يكن عليك شيء في ترك الاجتناب، إلاّ أنّ هذا - أيضا - وارد في خصوص الميتة، فلا يشمل المائع المشكوك خمريّته مثلا.
إذن فعلى أساس هذه الروايات نفتي بعدم وجوب الفحص في الشبهات