مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٥٢
الفحص في الشبهات الموضوعيّة و أمّا المقام الثاني: و هو وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة و عدمه، فأيضا تارة يقع الكلام في البراءة العقليّة، و أخرى في البراءة الشرعيّة.
بلحاظ البراءة العقليّة أمّا البراءة العقليّة: فقد عرفت أنّها ليست قانونا عقليّا، فإنّ العقل لا يستقلّ بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، بل هي ترجع بتحليل علمي إلى قاعدة عقلائيّة ارتكازيّة شرحنا فيما مضى الظروف التي أدّت إلى قيام هذا الارتكاز، و ترسّخ هذه القاعدة في أذهان العقلاء.
و هذه البراءة العقلائيّة في الشبهات الحكميّة تختصّ بما بعد الفحص، فإنّ البراءة المجعولة اجتماعيّا من قبل المولويات العقلائية لا تشمل موارد الشكّ قبل الفحص، و تعتبر تلك الموارد داخلة تحت دائرة حقّ الطاعة و المولويّة، هذا بلحاظ الشبهة الحكميّة. و أمّا بلحاظ الشبهة الموضوعيّة فالأمر في الجملة - أيضا - كذلك، فإنّ مرتبة من الفحص لازمة بحسب الارتكاز العقلائي، و هي المرتبة التي يعتبر خلافها تهرّبا من الحكم و إغماضا للعين عن الحكم، و توضيح ذلك: أنّه قد يشكّ المكلّف في الحكم، و يكون المفر وض أنّ هذا التكليف للمولى لو كان موجودا لا يصله بحسب العادة إلاّ بالفحص، فهنا لا يعذر المكلّف عقلائيّا، و إنّما يعذر إذا كان المكلّف واقفا في موقف بحيث يكون التكليف بحسب طبعه ممكن الوصول للمكلّف عادة بلا فحص، فلا بدّ للمكلّف من الفحص عن التكليف بمقدار بحيث يحقّق له موقفا يمكن و يحتمل أن يصله التكليف في ذلك الموقف، و أمّا إذا كان الموقف بحيث لا يحتمل عادة أن يصله التكليف، فلا يعدّ معذورا عقلائيّا، فمثلا لو وقعت قطرة على يده و لا يدري هل هي دم أم لا فيغمض عينيه و يقول: أنّا شاكّ في كونها دما، فهو و إن كان شاكّا، لكنّ التكليف عادة لا يصله و هو مغمض العينين، فتركه للنظر إلى موضع القطرة المشكوكة يعتبر بحسب النّظر العرفي تهرّبا من الوقوع في تبعة التكليف و فرارا منه، و لا تكون البراءة العقلائيّة مسوّغة لمثل هذا الهروب.
و لعلّ هذه النكتة هي نكتة ما سبق من عدم جريان البراءة العقلائيّة قبل الفحص في الشبهات الحكميّة، لأنّ إغماض العين عن كتاب الأخبار كإغماض العين عن تلك القطرة من الدم، أي: أنّ العادة جارية في تبليغ الأحكام من الموالي إلى