مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٤٣
الوجه الثامن: هو التمسّك بأخبار وجوب التعلّم، و هذا الوجه إنّما ينفع لمن عرف صدفة أخبار وجوب التعلّم و تماميّتها سندا و دلالة، و أمّا من لم يعرف ذلك فلو لم يوجد في المرتبة السابقة على ذلك منجّز لوجوب الفحص، فقد لا يفحص عن نفس هذه الأخبار حتّى يبتلي بالفحص عن الأحكام الشرعيّة، فيحتمل عدم تماميّتها سندا أو دلالة خصوصا أنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه ذكر أنّها غير تامّة دلالة، فيشكّ - عندئذ - في وجوب الفحص، فيتمسّك بأصالة البراءة عن وجوبه، فهذه الأخبار إنّما
- الاحتياط قبل الفحص بالبيان الّذي عرفت، و ما مضى في الوجه السادس من العلم الإجمالي بخطابات واقعيّة، و لكن بنحو لا يرجع ذلك إلى الوجه السابع و لا إلى الوجه السادس، و توضيحه: أنّنا في الوجه السابع كنّا نرى أنّ مجرّد احتمال خطاب واقعي يبطل التمسّك بالبراءة قبل الفحص، لأنّه على تقدير وجود خطاب واقعي تكون البراءة عنه قبل الفحص منافية له عرفا، لأنّه يدلّ بالالتزام على الاحتياط قبل الفحص، فظهور دليل البراءة في أنّه ليس بصدد معارضة الواقع على تقدير وجوده يمنع عن التمسّك به قبل الفحص، و لكنّنا في هذا الوجه نفترض الغفلة عن أنّ مجرّد احتمال الخطاب يمنع عن إجراء البراءة، و لكنّنا نقول: إنّ العلم الإجمالي بالخطاب يمنع عن إجراء البراءة قبل الفحص، لا بملاك التعارض و التساقط، كي يرجع الأمر هذه المرّة إلى ما مضى من الوجه السادس الّذي كان يحاول فيه جعل العلم الإجمالي بالواقعيّات موجبا لتعارض الأصول و تساقطها، بل بملاك أنّ تلك الخطابات المعلومة إجمالا قد أسقطت البراءة في مواردها بدلالتها على وجوب الاحتياط، فيدخل المقام في باب اشتباه الحجّة باللاحجّة، فلا يمكننا التمسّك بالبراءة في كل مورد احتملنا فيه وجود خطاب واقعي دالّ بالملازمة على وجوب الاحتياط.
و بهذا نكون قد حصلنا على وجه مستقل لإثبات المقصود، لا يرجع إلى الوجه السادس، و لا إلى الوجه السابع.
أقول: إنّ هذا الوجه و إن كان مفيدا لإبطال التمسّك بالبراءة عن الواقع ابتداء من دون أن يرجع إلى الوجه السابع و لا السادس، و لكن تصل النوبة - عندئذ - إلى البراءة الطوليّة عن وجوب الاحتياط، و ينحصر الجواب عن ذلك بأحد أمرين: إمّا بيان أنّ مجرّد احتمال الخطاب الواقعي الّذي لو كان لكان دالا على وجوب الاحتياط كاف في دفع هذه البراءة - أيضا - الظاهر دليلها في عدم مصادمة الواقع على تقدير وجوده، و هذا رجوع إلى الوجه السابع، و إمّا بيان أنّ هذه البراءات الطوليّة متعارضة و متساقطة، لوجود العلم الإجمالي بالخطابات الواقعيّة الدالّة على وجوب الاحتياط، و هذا رجوع إلى الوجه السادس.
ثمّ إنّ لنا حول الوجه السابع كلاما سوف نذكره - إن شاء اللّه - في مسألة الفحص في الشبهات الموضوعيّة فراجع.