مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٤
الواقعيّ نتيجة مضادّته لحكم العقل.
و توضيح ذلك يتوقّف على استذكار ما مضى في بحث الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ من مختاره في الجمع بينهما، و هو أنّه قدّس سرّه يتصوّر أنّ للمولى في الأحكام الواقعيّة إرادتين مولويّتين: إحداهما: المطلوبيّة النفسيّة لذات الصلاة مثلا، و الأخرى: الغرض المقدّميّ المتعلّق بخطابه بقوله: (صلّ)، فإنّه يخاطب بهذا الخطاب، بغرض تحريك العبد نحو الصلاة، و تحصيل الغرض الأوّل، و يقول: إنّ الحكم الظاهريّ فيه محذوران: أحدهما: محذور مضادّته من حيث المبدأ للغرض الأوّل، و الآخر: محذور كونه نقضا للغرض الثاني، فيدفع رحمه اللّه المحذور الأوّل بتعدّد الرتبة بالتفصيل الّذي مضى في محلّه، و المحذور الثاني بأنّ الغرض المقدّميّ المتعلّق بالمقدّمة - و هو إيصالها إلى ذي المقدّمة - يستحيل أن يكون أوسع من مقدار قابليّة المقدّمة للإيصال إلى المطلوب، و مقدار قابليّة الخطاب للإيصال هو الإيصال على تقدير تنجّزه، فمع عدم تنجّزه، إمّا بنفسه لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، أو بواسطة نفس الترخيص الظاهريّ، لا موضوع للغرض المقدّميّ، حتى يلزم من الترخيص الظاهريّ نقض الغرض.
هذا ما أفاده رحمه اللّه في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ، و قد مضى تفصيل الكلام فيه و التعليق عليه في محلّه.
أمّا استثمار هذا المطلب في المقام فكما يلي:
إنّ العلم الإجماليّ يؤثّر في تنجيز المعلوم بالإجمال، و هذا التأثير إن فرضناه معلّقا على عدم ترخيص الشارع، فلا مانع من ترخيصه في المقام، إذ لا يضادّ حكم العقل لارتفاع موضوعه به، و لا الغرض المقدّميّ للخطاب، إذ يرتفع بالترخيص تنجيزه، فينتفي موضوع الغرض المقدّميّ، فلا يحصل نقض الغرض، و لا الغرض النفسيّ الواقعيّ، لأنّ تعدّد الرتبة بالتقريب الثابت في موارد الشكّ البدويّ ثابت هنا أيضا. و إن فرضناه تنجيزيّا فالترخيص يضادّ حكم العقل لتنجيزيّته و الغرض المقدّميّ لتماميّة موضوعه، إذ الخطاب قابل للتحريك و الإيصال إلى المطلوب لغرض تنجّزه، فقد تعلّق به الغرض المقدّميّ.
ثمّ يختار رحمه اللّه تنجيزيّة حكم العقل بتقريب: أنّ التضادّ بين الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال و الترخيص ارتكازيّ، و التضادّ بينهما معلول لتنجيزيّة حكم العقل، فتثبت بذلك تنجيزيّة حكم العقل.