مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٧٤
و على ضوء هذه الشروط يدّعي المحقّق النائيني رحمه اللّه وجوها ثلاثة لوجوب الاحتياط في دوران أمر المحصّل الشرعي بين الأقلّ و الأكثر.
الوجه الأوّل: أنّه إذا دار أمر محصّل الطهارة مثلا بين الغسلة و الغسلتين لا نرى مصبّا للبراءة جامعا للشروط الثلاثة، فإن أردنا إجراء البراءة عن وجوب تحصيل الطهارة فالشرط الأوّل مفقود، لعدم الشكّ في وجوب تحصيلها، و إن أردنا إجراء البراءة عن سببيّة الأكثر فأيضا ليست هذه السببيّة مشكوكة فالشرط الأوّل مفقود، إذ لا إشكال في حصول الطهارة بغسلتين، و إنّما الإشكال في حصولها بغسلة واحدة، و إن أردنا إجراء البراءة عن سببيّة الأقلّ فهي و إن كانت مشكوكة، لكنّ الشرط الثالث مفقود فيها، لأنّ في رفعها و نفي صحّة الاكتفاء بغسلة واحدة تضييقا على العباد، لا توسعة و منّة عليهم.
و يرد عليه: أنّه مع قطع النّظر عن باقي الوجوه، و الاكتفاء بهذا المقدار من البيان يمكن الإجابة عنه بدعوى إجراء البراءة عن سببيّة الأكثر و هي مشكوكة و ليست معلومة، و إنّما المعلوم حصول الطهارة عند حصول الأكثر، و هذا غير سببيّة الأكثر بما هو أكثر، أو قل: إجراء البراءة عن جزئيّة الغسلة الثانية للسبب.
الوجه الثاني: أنّنا لو سلّمنا الشك في سببيّة الأكثر - كما نحن اخترناه - قلنا: إنّه لا تجري عنها البراءة، و كذا عن توابعها كجزئيّة الزائد للسبب، فإنّ هذه الأمور أحكام وضعيّة غير مجعولة فقد انتفى فيها الشرط الثاني من الشروط الثلاثة.
و يرد عليه: أوّلا: أنّ هذا لا ينسجم مع سير تفكيره هو قدّس سرّه فالمفروض به أن يقول في المقام: بأنّ السببيّة و إن لم تكن مجعولة بالأصالة، لكنّها مجعولة بالتبع، لأنّها تنتزع عن جعل الشارع للمسبّب على تقدير السبب، و هو قدّس سرّه قد أجرى البراءة عن جزئيّة ما فرض الشكّ في جزئيّته للصلاة، بتقريب: أنّ الجزئيّة و إن لم تكن بنفسها مجعولة قابلة للرفع و الوضع، لكنّها منتزعة عن وجوب الأكثر و قابلة للوضع و الرفع بلحاظ منشأ انتزاعها، و عليه نقول فيما نحن فيه: إنّه لا بأس من هذه الناحية بجريان البراءة عن سببيّة الأكثر، أو جزئيّة الزائد للسبب، إذ كل هذا قابل للرفع و الوضع باعتبار منشأ الانتزاع، و هو جعل الطهارة على تقدير الغسل مرّتين.
و ثانيا: أنّ الشرط الثاني و هو كون المرفوع مجعولا شرعيّا كي يقبل الرفع الشرعي غير صحيح، فإنّ الرفع في باب البراءة ليس رفعا واقعيّا في مقابل الوضع الواقعي كي لا يمكن تعلّقه إلاّ بما يقبل الوضع الواقعي، و إنّما هو رفع ظاهري في