مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٦
معاقبا بنفس ملاك عقاب العاصي - ليس هو الواقع بوجوده الخارجيّ، بل هو الوجود العلميّ للحكم، فإنّ لزوم طاعة المولى إنّما هو بملاك تعظيمه و أداء حقّه، و من المعلوم أنّ تعظيمه لا يتحقّق بمجرّد امتثال حكمه الواقعيّ، سواء وصل بمرتبة من مراتب الوصول أو لا، و يتحقّق بامتثال ما علم من حكمه، سواء كان العلم مطابقا للواقع أو لا. إذن فالتنجّز عارض على الصورة الذهنيّة لا على الواقع.
و ثانيا: أنّنا سلّمنا أن معروض التنجّز هو الواقع، لكنّ الواقع إنّما هو جزء العلّة للتنجّز، و الجزء الآخر هو البيان و الوصول، إذ لو لم يبيّن كان داخلا تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و البيان إنّما تمّ بمقدار الجامع، و أمّا ما ذكره من: (أنّ القول بعدم سريان التنجّز - كما لا يسري العلم - خلط بين الحدود الذهنيّة المعروضة للعلم و الحدّ الخارجيّ) فهو خلط في المقام، إذ لم يكن المقصود دعوى عدم سراية التنجّز من الحدّ الإجماليّ إلى الحدّ التفصيليّ، و إنّما المقصود هو أنّ الواقع الخارجيّ بنفسه له حدّان، لا بمعنى الحدّ الإجماليّ و الحدّ التفصيليّ المتباينين، بل بمعنى الحدّ الجامعيّ و الحدّ الشخصيّ المتداخلين، فإنّ الشيء له حدود عديدة صاعدة و نازلة حسب ما له من جوامع و كلّيّات، فلا بدّ أن نرى ما هو المقدار المبيّن من الواقع؟ هل هو الحدّ الجامعيّ فقط، أو هو مع حدّه الشخصيّ؟ و المفروض أنّ صورة العلم الإجماليّ مزدوجة من جهة انكشاف وجهة إبهام، و ما يطابق جهة انكشافها هو الحدّ الجامعيّ، و ما يطابق جهة إبهامها هو الحدّ الشخصيّ، فالبيان إنّما يتمّ بمقدار الجامع، و يكفي في امتثاله القطعيّ الإتيان بأحد الطرفين، فلا تجب الموافقة القطعيّة للواقع على تفصيل قد عرفته.
الوجه الثاني«»- أنّنا سلّمنا أنّ العلم تعلّق بالجامع، لكن الجامع تارة ينظر إليه قبل تحصّصه و انطباقه في الخارج، و أخرى ينظر إليه مفروغا عن انطباقه و تحصّصه، و الأوّل كما في الواجب التخييريّ بالتخيير العقليّ أو الشرعيّ، فإذا أوجب المولى الصلاة التي هي جامع بين أفرادها، و هو الواجب التخييري العقليّ، أو أوجب باب التخيير الشرعيّ أحد الأمور من الخصال الثلاث في الكفّارة، الّذي هو جامع انتزاعيّ بينها، فهنا لا يلزم إلاّ الإتيان بفرد واحد من تلك الأفراد، لحصول الجامع بذلك. و أمّا في ما نحن فيه فقد تعلّق العلم بالجامع مفروغا عن تحصّصه