مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٥
مرّ من أنّ الواجب المطلق و الواجب المقيّد متباينان بحدّهما الإطلاقي و التقييدي، لكنّ العبرة بذات المحدود، و هو مردّد بين الأقلّ و الأكثر، فالعلم الإجمالي على هذا المبنى منحلّ حقيقة.
إلاّ أنّه ناقش في هذا الانحلال المحقّق النائيني رحمه اللّه«»، لأنّه فرض مشروطيّة هذه الوجوبات في مرحلة البقاء دون الحدوث، و أنّ كلّ عدل من الوجوبات التخييرية واجب ما لم يأت بالآخر، فذكر في المقام: أنّه لو صام مثلا فقد شكّ في سقوط وجوب العتق عنه، لا في أصل حدوثه، و البراءة إنّما تجري في الشكّ في أصل حدوث التكليف، و أمّا مرحلة السقوط فهي مرحلة الاشتغال لا البراءة.
و يرد عليه:
أوّلا: أنّنا لا نساعد على أن يفرض جزميّا كون الاشتراط في مرحلة البقاء، بل لا أقلّ من احتمال كونه في مرحلة الحدوث، فمن صام مثلا كشف ذلك عن عدم وجوب العتق عليه من أوّل الأمر، و لو بنحو الشرط المتأخّر.
و ثانيا: هب أنّنا سلّمنا أنّ الاشتراط يكون في مرحلة البقاء، فيقع الشكّ في سقوط التكليف و بقائه، لا في حدوثه و عدم حدوثه، لكنّنا لا نسلّم اختصاص دليل البراءة بالشكّ في الحدوث دون الشكّ في البقاء، بل مهما كان الشكّ في أصل التكليف سواء كان بلحاظ حدوثه أو بلحاظ انبساطه بقاء تجري البراءة، بغضّ النّظر عن فرض تقدّم استصحاب بقاء التكليف على البراءة، و ذلك لإطلاق دليلها و عدم مبرّر لتخصيصها بالقسم الأوّل، و أنّما نقول في الشكّ في الامتثال بعدم جريان البراءة، لأنّ الشكّ في الحقيقة لا يكون في فعليّة التكليف، بل في فاعليّته كما مرّ بيانه.
و قد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّ العلم الإجمالي بالأمر التعييني أو الأمر التخييري بناء على رجوعه إلى أوامر مشروطة منحلّ انحلالا حقيقيّا.
إلاّ أنّ هذا الانحلال إنّما هو بلحاظ العلم الإجمالي الواضح في المقام. و لكنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه أبدى في المقام علما إجماليّا آخر«»، و بلحاظه لا يتمّ هذا الانحلال الحقيقي، و هذا العلم الإجمالي نؤجّل بيانه إلى ذيل المبنى الرابع من