مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٦
المختارة في سائر موارد شبهات المخصّص، فما هي النكتة الثابتة فيما نحن فيه التي جعلته يشذّ عن سائر الموارد، و أوجبت عدم التمسّك بالإطلاق فيه مطلقا؟ و قد ذكر لذلك تقريبان: - التقريب الأوّل: ما في كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في الكفاية، و هذا التقريب - إذا أخذنا بعبارة الكفاية على بساطتها و إجمالها - يكون عبارة عن أنّه لو تمّ ثبوتا إمكان إطلاق الحكم، و شككنا في التقييد و الإطلاق، بنينا على الإطلاق في عالم الإثبات، أمّا مع الشكّ في أصل إمكان كون الحكم مطلقا ثبوتا، فلا معنى للتمسّك بالإطلاق إثباتا، فإنّ مقام الإثبات فرع مقام الثبوت، و مع الشكّ في إمكان الشيء لا يمكن إثباته بالإطلاق.
و أجاب عن ذلك المحقّق النائينيّ رحمه اللّه حلاّ و نقضا:
أمّا الحلّ: فبأنّه ليس من شرائط الأخذ بإطلاق الكلام إثباتا إحراز إمكان مفاده ثبوتا مسبقا على الأخذ به، بل بمجرّد احتمال الإمكان يأتي احتمال صدق الإطلاق الإثباتي، و مع احتمال الصدق يصبح حجّة بدليل حجّيّة الظهور، و يثبت تعبّدا بالمدلول الالتزامي لذاك الظهور إمكان مفاده ثبوتا.
و أمّا النقض: فبأنّه لو كان من شرط الأخذ بالإطلاق إحراز إمكان مفاده، لبطل جميع الإطلاقات، فمثلا لا يمكن الأخذ بإطلاق أحل اللَّه البيع لإثبات جعل صحّة البيع المعاطاتي، مع احتمال كون جعل صحّته مشتملا ثبوتا على مفاسد قبيحة على المولى، و لا يصدر القبيح من المولى، فقد شككنا في أصل صحّة هذا الجعل ثبوتا، فكيف نتمسّك بالإطلاق في مقام الإثبات؟ و ما أفاده المحقّق النائينيّ رحمه اللّه نقضا و حلا متين، و وارد على هذا الوجه، بناء على الأخذ فيه بنفس البيان الساذج الّذي ذكرناه.
إلاّ أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللّه فسّر«»عبارة المحقّق الخراسانيّ ببيان آخر أعمق، يسلم عمّا أورده عليه المحقّق النائينيّ، و هو: أنّنا إنّما نأخذ بالإطلاق لدى فرض جعل الحجّية للإطلاق، و جعل الحجّية حكم ظاهري، حاله حال الحكم الواقعي في كونه مشروطا بالدخول في محلّ الابتلاء، و أيّ فرق في ذلك بين وجوب الاجتناب الواقعي و وجوب الاجتناب الظاهري؟ فمع الشكّ في الدخول في محلّ الابتلاء يشكّ في أصل معقوليّة جعل الحجّيّة للإطلاق في المقام.