مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٢٩
قد تقول: لا ينبغي التفريق بين القسم الأوّل و القسم الثاني من هذه الأقسام الأربعة في الحكم، فإمّا أن نقول بجريان الأصل في الطرف المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء في كلا القسمين، أي: سواء كانت الشبهة مصداقية أو كانت الشبهة مفهومية، بمعنى شكّنا في أنّ العرف هل يرى تزاحما و ارتكازا لانصراف الإطلاق بالنسبة للفرد الآخر، أو لا؟ ففي كلا القسمين يكون احتمال وجود المعارض للأصل الجاري في الفرد المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء ثابتا، أمّا في الشبهة المصداقيّة، فلأنّه على تقدير دخول الفرد الآخر - أيضا - في محلّ الابتلاء يكون الإطلاق بالنسبة له تامّا، و يكون معارضا لإطلاق الأصل للفرد المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء، و المفروض أنّنا نحتمل دخوله في محلّ الابتلاء، و أمّا في الشبهة المفهومية بالمعنى الّذي عرفت، فلأنّه على تقدير جزم العرف بعدم الارتكاز يكون الإطلاق أيضا ثابتا في الفرد الّذي شككنا في دخوله في محلّ الابتلاء، فيتعارض الأصلان، و المفروض أنّنا نحتمل جزم العرف بعدم الارتكاز.
و عندئذ، فإن قلنا بأنّ احتمال المعارض المتّصل كاحتمال القرينة المتّصلة لا ينفي بالأصل، فلا بدّ من القول بسقوط الأصل في كلا القسمين، و إن قلنا بأنّ احتمال المعارض المتّصل ينفي بالأصل، و ليس كاحتمال القرينة المتّصلة، فلا بدّ من إجراء الأصل في الفرد المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء في كلا القسمين، فلا مبرّر للتفصيل بينهما.
و لنا عن هذا الإشكال جوابان: - الجواب الأوّل: أنّنا لا نرى أنّ احتمال وجود المعارض المتّصل كاحتمال القرينة المتّصلة يبطل التمسّك بالظهور مطلقا، و لا نرى أنّه لا يبطل التمسّك بالظهور مطلقا، بل نفصل بين مورد الشبهة المفهوميّة و الشبهة المصداقيّة، ففي مورد الشبهة المصداقية يتمسّك بالعموم أو الإطلاق، و لكن في الشبهة المفهوميّة يكون حاله فيها حال احتمال القرينة المتّصلة، و يكون مضرّا بالظهور، فبهذا يثبت الفرق بين القسم الأوّل و القسم الثاني، ففي القسم الأوّل لمّا كانت الشبهة مصداقية جاز لنا التمسّك بالإطلاق لإثبات الترخيص الشرعي في الإناء المقطوع دخوله في محلّ الابتلاء، و في القسم الثاني لمّا كانت الشبهة مفهومية، بمعنى شكّنا نحن فيما هو المفهوم لدى العرف، لم يمكن التمسّك بالإطلاق، و لا نفي احتمال المعارض بالأصل.
نعم، في القسم الثالث حينما كان الشكّ المفهومي شكّا للعرف نفسه كان هذا ملحقا بالقطع بعدم المعارض، فنحن نقصد هنا بالشبهة المفهوميّة - التي لا يمكن