مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٠٩
طروّ الاضطرار بعد العلم بالتكليف الأمر الثالث: إذا طرأ الاضطرار بعد العلم بالتكليف، فإن كان اضطرارا إلى المعيّن، فلا إشكال في أنّه يرفع التكليف على تقدير كونه في ذاك الطرف، و قد مضى أنّ العلم الإجماليّ - عندئذ - باق على تنجيزه للطرف الآخر، لأنّه يعلم إجمالا بثبوت التكليف إمّا في الطرف الأوّل قبل الاضطرار، أو في الطرف الثاني حتّى بعد الاضطرار.
و أمّا إذا كان اضطرارا إلى غير المعيّن، فقد عرفت أنّ الترخيص الثابت بلحاظ الاضطرار إلى غير المعيّن لا ينافي أصل التكليف الواقعي أصلا، بل و لا إطلاقه، خلافا لما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه من منافاته للتكليف الواقعيّ، و أنّه بالاضطرار ينتفي التكليف رأسا، ثمّ بعد ارتكاب أحد الطرفين يحتمل عود التكليف، لكونه في الطرف الآخر مع زوال الاضطرار.
و المقصود هنا أن نرى أنّه على تقدير التنزّل و تسليم منافاته لأصل التكليف الواقعيّ، هل يتشكّل هنا - أيضا - علم إجمالي منجّز نظير العلم الإجماليّ بالتكليف فيما إذا كان الاضطرار إلى المعيّن، أو لا يكون حال الاضطرار إلى غير المعيّن هو حال الاضطرار إلى المعيّن في ذلك؟ و التحقيق: هو التفصيل في المقام بينهما إذا علم من أوّل الأمر بأنّه بعد حصول الاضطرار سوف يرفع اضطراره بأحد الطرفين المعيّن عنده الآن و بينهما إذا لم يعلم أنّه هل سوف يدفع اضطراره بهذا أو بذاك.
ففي القسم الأوّل لا يجوز له ارتكاب الفرد الآخر بعد رفع الاضطرار بالفرد الأوّل، لأنّه كان يعلم إجمالا بأنّه إمّا يحرم عليه الفرد الأوّل قبل الاضطرار، أو يحرم عليه الفرد الثاني بعد رفع الاضطرار.
و في القسم الثاني يجوز له ارتكاب الفرد الآخر بعد رفع الاضطرار بالفرد الأوّل، لأنّه لم يكن له من أوّل الأمر مثل هذا العلم الإجماليّ، و إنّما كان يعلم إجمالا بحرمة أحد الفردين قبل الاضطرار، و كان يشكّ أنّ الحرمة على كلّ واحد من التقديرين، أي: سواء كانت في هذا أو في ذاك هل هي حرمة مختصّة بما قبل الاضطرار، أو ثابتة بعد رفع الاضطرار أيضا، و هذا تردّد بين الأقلّ و الأكثر، فيأخذ