مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٠٠
المحقّق النائينيّ قدّس سرّه من جعل التكليف مشروطا، فإنّ هذا على طبق القاعدة، و لا يحتاج إلى دليل خاصّ، إذ إطلاق التكليف سقط قطعا لمنافاته للترخيص، و وجود أصل التكليف في الجملة أمر محتمل، فيثبت ذلك بنفس دليل التكليف.
و هذا الإشكال و إن لم يعالجه المحقّق العراقيّ قدّس سرّه لكنّ أكبر الظن أنّه لو أورد عليه، لأجاب بأنّ الدليل عليه هو نفس دليل الوجوب التعيينيّ، لأنّه بالمطابقة يدلّ على الوجوب التعيينيّ، و بالالتزام يدلّ على الملاك، و قد سقطت دلالته المطابقيّة عن الحجّيّة، لكنّ الدلالة الالتزاميّة غير تابعة عنده في الحجّيّة للدلالة المطابقيّة، فدلالته على ثبوت الملاك باقية على حالها، و عندئذ يستكشف من الملاك خطاب يسدّ بعض أبواب العدم، بعد أن وجد مانع عن الخطاب الّذي يسدّ جميع أبواب العدم. و هذا نظير ما يقال في جملة من الموارد التي لا يكفي المدلول المطابقي للدليل، لتحصيل الملاك من استكشاف الخطاب من ناحية فعليّة الملاك، كما يقال بذلك في خطاب وجوب حفظ القدرة.
إن قلت: إنّ البراءة في أطراف العلم الإجماليّ إنّما لم تجر عند المحقّق العراقيّ قدّس سرّه للمحذور العقليّ، و هو قبح الترخيص في مخالفة العلم، لا لكون الملاك يهتمّ به حتما بنحو لا تجري في مورده البراءة، و إلاّ فكثيرا ما يتّفق في مورد الشبهات البدويّة أنّ المولى يعلم بوجود الملاك و الحكم، و مع ذلك يجعل البراءة، فليكن الملاك الثابت بالدلالة الالتزامية فيما نحن فيه ممّا لا يهتمّ به بدرجة يمنع عن جريان البراءة.
قلت: الدليل الأوّليّ للخطاب قد دلّ على أمور: فقد دلّ على ثبوت الملاك في نفسه، و قد دلّ على الاهتمام به في مقابل عدم سدّ شيء من أبواب العدم، و قد دلّ على الاهتمام التامّ به في مقابل جعل بعض أبواب العدم مفتوحا، و هذا الأخير ساقط قطعا، لفرض انفتاح أحد أبواب العدم بالترخيص التخييريّ، لكنّ الأوّل و الثاني لم يثبت سقوطهما، فنبني على ثبوتهما بظاهر الدليل، و مع العلم بثبوت الملاك و الاهتمام به بهذا المقدار، لا معنى لجريان البراءة، و يثبت هنا - أيضا - نفس المحذور العقليّ في الترخيص في المخالفة القطعيّة لمثل هذا الملاك المهتمّ به - لو كان محذور عقليّ في الترخيص في سائر الموارد - و المفروض تقديم ظهور دليل المعلوم بالإجمال على دليل البراءة، و إلاّ لأخذ بدليل البراءة في سائر موارد العلم الإجماليّ مطلقا و لو باستكشاف رفع اليد عن أصل الحكم، لم كان المنافاة بينه و بين