مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٧
إن كان يقصد بذلك أنّنا لا نعلم بكون هذه القطرة الثانية سببا للتكليف، فهذا صحيح، إذ على تقدير وقوعها في الإناء الأسود، مع كونه نجسا من أوّل الأمر ليست سببا للتكليف، لكن لا يشترط في حصول العلم بالتكليف حصول العلم بكون هذه القطرة سببا للتكليف، بل حصول العلم بكونها ملازمة للتكليف - أيضا - يساوق العلم بالتكليف، و لا إشكال في أنّنا نعلم بأنّ هذه القطرة ملازمة للتكليف على كلّ تقدير، فإنّها إمّا واقعة في إناء نجس في نفسه نكون مكلفين بالاجتناب عنه، أو في إناء طاهر في نفسه، فأوجبت تكليفا بالاجتناب عنه. و لو اشترط في التنجيز حصول العلم بالسببية، للزم الانحلال حتّى بشكّ بدوي، فلو احتمل بدوا نجاسة الإناء الأسود، ثمّ علم إجمالا بوقوع القطرة في الإناء الأسود أو الأحمر، لا يكون هذا منجّزا، إذ لا نعلم بكون القطرة سببا للتكليف، لأنّها على تقدير وقوعها في الإناء الأسود، و كونه نجسا من قبل، لا يؤثّر شيئا. و هذا كما ترى.
و أمّا إن اعترف بحصول العلم بعد ساعتين من الظهر بما يلازم التكليف المساوق للعلم بالتكليف، لكن كان مقصوده أنّه لم يحصل العلم بحدوث تكليف، فهذا - أيضا - صحيح، إذ على تقدير وقوع القطرة فيما كان نجسا من قبل، لم يحدث تكليف جديد، لكن لا يشترط في تنجيز العلم الإجماليّ كونه علما بتكليف حادث.
و هكذا الحال لو كان مقصوده أنّه ليس هذا علما بتكليف آخر غير التكليف الأوّل، و نحو ذلك من العناوين، فإنّ المنجّز إنّما هو العلم بالتكليف بلا حاجة إلى أيّ واحد من هذه العناوين، كعنوان الآخر أو الحادث، أو نحو ذلك، بل يكفي العلم بأصل التكليف، سواء كان حدوثيا أو بقائيا، و لا إشكال في أنّه بوقوع القطرة الثانية حصل لنا علم بثبوت التكليف: إمّا بالاجتناب عن الإناء الأسود، أو بالاجتناب عن الإناء الأحمر، غاية الأمر أنّه يحتمل كون هذا التكليف بقائيا، كما هو الحال - أيضا - في المثال الّذي ذكرناه من فرض الشكّ البدوي في نجاسة الإناء الأسود، و العلم الإجماليّ بوقوع قطرة بعد ذلك فيه أو في الأحمر، إذ التكليف على تقدير وقوعها في الأسود و كونه نجسا من قبل بقائي لا محالة [١].
[١] و كذلك لو كان مقصوده رحمه اللّه أنّ هذا العلم ليس علما بتكليف آخر، غير التكليف الأوّل، و نحو ذلك من العناوين، قلنا: إنّ المنجّز إنّما هو العلم بالتكليف، بلا حاجة إلى فرض تعلّق العلم بأيّ واحد من هذه العناوين، كعنوان الآخر أو الحادث أو نحو ذلك.