مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٦
على تقدير وقوع القطرة في الإناء الأحمر، أو في الإناء الأسود، مع فرض كون النجس الأوّل هو الأبيض لا الأسود، قد ولّدت القطرة في المقام تكليفا، لكن على تقدير وقوعها في الأسود، مع كونه هو النجس الأوّل لم تولّد تكليفا، فليس لنا علم إجمالي بالتكليف، و المنجّز ليس هو مطلق العلم الإجماليّ، و إنّما هو العلم الإجماليّ بالتكليف، ففي عالم التكليف يكون العلم الإجماليّ في المقام منحلا حقيقة.
ثم نأتي إلى صورة إفراز تقدّم العلم عن تقدّم المعلوم، كما لو فرضنا أنّه علم إجمالا بعد ساعتين من الظهر بنجاسة الإناء الأسود أو الأحمر من الآن، ثمّ بعد ساعة أخرى علم بأنّه من أوّل الظهر كان الإناء الأسود أو الأبيض نجسا، فهنا نقول: إنّ العلم بنجاسة الإناء الأسود أو الأحمر، حينما حصل كان علما بالتكليف، و كان منجّزا، ل كن بعد حصول العلم بنجاسة الإناء الأسود أو الأبيض سقط ذلك العلم عن التنجيز، لأنّه خرج بقاء عن كونه علما بالتكليف، لأنّنا عرفنا الآن أنّ القطرة الواقعة بعد ساعتين من الظهر - على تقدير وقوعها في الإناء الأسود - لم تؤثّر شيئا في كونه هو النجس من أوّل الظهر، و العلم الإجماليّ إنّما يكون منجّزا ما دام هو علما بالتكليف، و إذا خرج عن كونه علما بالتكليف سقط عن المنجّزية.
و قد ظهر بما ذكر أنّ فرض كون العلم الإجماليّ الثاني متعلّقا بتكليف آخر من غير سنخ التكليف الأوّل الّذي لا يتكرر، خارج عن كلام المحقّق النائينيّ رحمه اللّه، و لا يقول فيه بالانحلال، فلو علم أوّلا بنجاسة أحدهما، ثمّ علم بأنّه أصبح الآن أحدهما ملكا لشخص آخر، و حرم شربه من باب حرمة شرب مال الغير، فهنا لا ينحلّ العلم الثاني بالعلم الأوّل، لأنّه علم بتكليف جديد غير التكليف الأوّل، إذ حرمة الغصب حرمة أخرى، غير حرمة شرب النجس، فهو يعلم بالتكليف على جميع التقادير، حتّى على تقدير كون المغصوب هو الإناء الأسود، مع كونه هو النجس من أوّل الأمر، فإنّه - عندئذ - يحرم بحرمة أخرى، غاية الأمر أنّه تتجلّى هذه الحرمة في لباس التأكّد.
هذا تمام الكلام في ذكر مقصود المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه).
أقول: إنّ هذا الكلام لا يرجع إلى محصّل في المقام، فلو علم من أوّل الظاهر بوقوع الدم في أحد الإناءين: الأبيض أو الأسود، ثمّ علم بعد ساعتين بوقوع قطرة أخرى من الدم الآن في الأسود أو الأحمر، فما ذا يقصد المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) بعدم كون العلم الثاني علما بالتكليف؟