مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٧
العلم الإجماليّ قد يبلغ من كثرة الأطراف إلى مرتبة يحصل في كلّ طرف من الأطراف الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالإجمال عليه، لأنّ رقم اليقين إذا كانت نسبة العلم إلى جميع الأطراف على حدّ سواء، ينقسم لا محالة على عدد الأطراف بالسوية، فتكون القيمة الاحتمالية في كلّ طرف، فيرجّح احتمال العدم فيه، إلى أن يصل الأمر إلى درجة الاطمئنان، و مقصودنا بالاطمئنان هنا درجة خاصّة من الظن القويّ التي يراها العقلاء معها حجّة، و تثبت حجّيّته شرعا بعد الردع - و لو لم تكن واصلة إلى درجة قد تكون معها حجّة ذاتا، بمعنى أنّ مولوية المولى قاصرة عن لزوم امتثال حكمه المطمئن بخلافه بتلك الدرجة - ما لم يردعنا هو عن العمل بهذا الاطمئنان.
و أمّا ما أورده المحقّق النائينيّ رحمه اللّه«»و السيّد الأستاذى الشيخ الأعظم في دعواه لحجّيّة الاطمئنان«»- من أنّ الاطمئنان إنّما يتّبع في مثل الأغراض الدنيوية، و أمّا إذا كان المحتمل بدرجة من الأهمّيّة كعقاب الآخرة، فلا معنى لحجّيّة الاطمئنان في قباله، بل لا بدّ من الاحتياط في قبال احتمال العقاب بالغا ما بلغ من الضآلة، و ضالة الاحتمال هنا لا تبرّر الاقتحام - فهو غير وارد علينا، سواء قصد الشيخ الأنصاري رحمه اللّه معنى يرد عليه هذا الاعتراض أو لا، فإنّنا لا نقصد التمسّك بالاطمئنان بعدم العقاب، سواء كان مقصود الشيخ (قدّس سرّه) هذا، أو لم يكن، و إنّما نقصد أنّ الاطمئنان بعدم الحكم معذّر عن الحكم المحتمل، و معه لا يحتمل العقاب أصلا، و لو بأي مستوى ضعيف [١].
و الكلام في تنقيح هذا الوجه من الانحلال يتمّ بالكلام تارة في موضوع القضية، و هو حصول الاطمئنان، و أخرى في محمولها، و هو حجية هذا الاطمئنان.
أمّا موضوعها و هو الاطمئنان، فقد ذكر المحقق العراقي (قدّس سرّه) هنا إشكالا: و هو أنّ حصول الاطمئنان في كلّ طرف من الأطراف بعدم النجاسة
[١] و قد احتمل المحقّق النائينيّ رحمه اللّه أن يكون هذا المعنى هو مقصود الشيخ الأنصاري رحمه اللّه، و فرضه أمرا في غاية المتانة. راجع أجود التقريرات: ج ٢، ص ٢٧٨.