مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٢
النكتة الموجودة في تسانخ الأصلين، و استقلال أصل ثالث بالدليل، و مثاله نفس ما مثّل به هو للقسم الثاني الّذي حكم فيه بتساقط جميع الأصول الثلاثة من العلم الإجمالي، بتنجس هذا الماء، أو كون ذلك المائع عين النجس، ففي الماء يوجد استصحاب الطهارة، و في طوله أصالة الطهارة، و في المائع لا يوجد إلاّ أصالة الطهارة، فيصبح دليل أصالة الطهارة مجملا و يجري في الماء استصحاب الطهارة.
و الخلاصة: أنّ الضابط إنّما هو تماثل أصلين، و تغاير أصل ثالث، سواء كان الجميع في عرض واحد، أو كان الأصل الثالث محكوما لأحدهما أو حكم عليه.
و ما ذكرناه من النقض الثالث واضح، بناء على ما هو الصحيح في الحكومة، من كون مرجعها إلى التخصيص، فدليل أصالة الطهارة بذاته يقتضي شمول الماء - أيضا - و إن كان فيه محكوما لاستصحاب الطهارة، فيقع الإجمال فيه، و نرجع إلى استصحاب الطهارة بلا معارض.
و أمّا بناء على الحكومة التي يقول بها المحقّق النائينيّ رحمه اللّه الراجعة روحا إلى الورود لا التخصيص، فيمكن أن يناقش في ذلك بأنّ الاستصحاب في الماء يخرج الماء عن مورد أصالة الطهارة، فيشمل دليل أصالة الطهارة ذلك المائع بلا إجمال، فيقع التعارض بينه و بين الاستصحاب.
لكن الصحيح: أنّه على هذا الفرض - أيضا - يجري الاستصحاب بلا معارض، لأنّ تماميّة ظهور الدليل في أصالة الطهارة في المائع فرع لعدم شمول دليل أصالة الطهارة للماء الّذي هو فرع الاستصحاب في الماء، فيستحيل أن تعارضه. و بكلمة أخرى: أنّ هذين الأصلين، و هما أصالة الطهارة في المائع و استصحاب الطهارة في الماء، إنّما يتعارضان إذا كان المقتضي - و هو الظهور لكل منهما - تامّا بقطع النّظر عن الآخر، فيكون جريان كلّ منهما دون الآخر ترجيحا بلا مرجّح، فيتعارضان، و هنا يكون مقتضي الاستصحاب في الماء بقطع النّظر عن أصالة الطهارة في المائع تامّا، لكن مقتضي أصالة الطهارة في المائع بقطع النّظر عن ذاك الاستصحاب غير تامّ، لعدم الظهور، إذ بقطع النّظر عن الاستصحاب يوجد في عرض هذا الأصل أصل آخر من سنخه في الطرف الآخر من طرفي العلم الإجمالي.
بقي في المقام إشكال: و هو أنّه قد مضى في فرض حكومة الأصل المثبت على أحد الأصلين النافيين أنّ هذه الحكومة توجب نجاة الأصل الآخر من المعارضة، و رفع القصور في دليله، لأنّ الدليل شامل لأحد الفردين بعنوان الفرد