العناوين الفقهية - الحسيني، السيد مير عبد الفتاح - الصفحة ٣٩٤ - و ثالثها أن على القول بالداعي لا ريب أن استدامته حقيقة
و أما الأخطار بالبال: فقد عرفت أنه قد اعتبره جماعة من القدماء، فإن أرادوا أن معنى النية ذلك فقد عرفت أن التحقيق خلافه، و إن أرادوا لزومه تعبدا و هو شيء زائد على الداعي المعتبر فلعل الوجه: أن الداعي لما كان أمرا خفيا لا يتميز غالبا و إنما ينقحه أصحاب الأذهان السليمة و المجاهدات فاللازم اعتبار أمر واضح يبتني عليه الحكم و يتصف العمل بالصحة و الفساد معه، و هو الأخطار بالبال، فيكون معنى كلامهم: أن مع كون الداعي التقرب لا بد من تصوره أيضا حتى يسلم عن الشوائب و يتضح عن غيره، لا أن مجرد الأخطار نية و إن لم يكن المخطر بالبال هو الداعي، إذ القول به مناف لأدلة النية. و هذا وجه جيد. مع أنه يمكن أيضا أن يقال: إن ما ورد في باب الحج و غيره من الروايات في كيفية القصد و الشروع في العبادة أيضا يرشد إلى استحضار الداعي عند العمل، مضافا إلى أنه العمدة المميز [١] بين العبادة و غيرها، فالاهتمام بشأنها أزيد من غيرها، مضافا إلى الإجماع المحكي عن المنتهي في الصلاة [٢] و رواية العلل: (في وقت رفع اليدين في التكبيرات إحضار النية و إقبال القلب على ما قال و قصد [٣] و لا ريب أن ملاحظة هذه الوجوه مع فتوى أساطين الأصحاب مما يؤيد اعتبار الأخطار تعبدا، و هو أحوط إن لم يكن أولى، بل أقوى [٤].
و ثالثها: أن على القول بالداعي: لا ريب أن استدامته حقيقة [٥]
و العمل متلبس به من ابتدائه إلى آخره إلا أن يتبدل الداعي بداع آخر، كعروض قصد الرياء و نحوه، و ذلك كلام آخر، و الغرض [٦] أن الداعي موجود دائما حقيقة، و لا يمكن صدور الفعل من دون داع، لأنه أحد أجزاء العلة التامة، و بانتفائه ينتفي المعلول، فهو مستديم حقيقة، مقارن لأول جزء من العمل و وسطه و آخره.
[١] في «م»: العمدة في التمييز.
[٢] المنتهي ١: ٢٦٦.
[٣] علل الشرائع: ٢٦٤، ب ١٨٢، ح ٩.
[٤] في «م»: و هو أحوط إن لم يكن أقوى.
[٥] كذا، و لعلّها في الأصل: حقيقيّة.
[٦] في «ف، م» و الفرض.