كشف الغمة في معرفة الأئمة ط- القديمة - الإربلي، علي بن عيسى - الصفحة ١٦ - السادس في علمه و شجاعته و شرف نفسه
غادر جثث الأعداء فرائس الكواسب بالهبر و الفصل[١] و أما شجاعته ع فقد قال كمال الدين رحمه الله اعلم وفقك الله على حقائق المعاني و وفقك لإدراكها أن الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس و الصفات المضافة إليها فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر و لا تمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها إذ ليست أجساما كثيفة بل طريق معرفتها و العلم بها مشاهدة آثارها فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه فإذا أحدقت الرجال و حدقت الآجال و حقت الأوجال و تضايق المجال و حاق القتال[٢] فإن كان مجزاعا مهلاعا مرواعا مفزاعا فتراه يستركب الهزيمة و يستبقها و يستصوب الدنية و يتطوقها و يستعذب المفرة و يستفوقها و يستصحب الذلة و يتعلقها مبادرا إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار[٣] مشيحا عن الفخار[٤] باقتحام الأخطار في مقر القراع بكل خطار[٥] فذلك مهبول الأم[٦] مخبول الفهم مفلول الجمع معزول عن السمع مضروب بينه و بين الشجاعة بحجاب مكتوب بينه و بين الشهامة بإبراء في كتاب و لا تعرف نفسه شرفا و لا تجد عن الخساسة و الدناءة منصرفا.
و إن كان مجسارا مجزارا كرارا صبارا يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزاهر المطربة و يسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواضر المعجبة خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة و عزيمة مطنبة يعد مصافحة
[١] غادره: تركه و أبقاه. و الهبر: ما اطمأن من الأرض و الرمل.
[٢] حاق حيقا و حوقا به: أحاط.
[٣] شبا جمع الشباة و هو من السيف حده. و الشفار جمع الشفرة: السكين العظيمة العريضة.
[٤] أشاح عن الشيء: أعرض.
[٥] قارع الابطال قراعا: ضارب بعضهم بعضا.
[٦] هبلته أمه: ثكلته.