مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣
أمكن الترخيص فيه، و إنّما جاء الفرق بين العلم التفصيليّ و العلم الإجماليّ من ناحية استبعاد أن تكون لفعليّة الحكم بعد تعلّق العلم التفصيليّ به حالة منتظرة، بخلاف فرض تعلّق العلم الإجماليّ به [١].
أقول: إن كان مراده قدّس سرّه من فعليّة المعلوم بالإجمال فعليّة تحفّظ المولى عليه، حتى بلحاظ تزاحم الأغراض، فعدم إمكان الترخيص في ذلك صحيح، إلاّ أنّ هذا الكلام مرجعه إلى أنّ التكليف الّذي يلزم المولى الاحتياط بالنسبة له عند اشتباهه بإباحة لا يمكن أن يرخّص فيه، و هذا واضح، و يشبه قولنا: إنّ التكليف الّذي لا يرخّص المولى فيه لا يرخّص فيه، و ليس الكلام في هذا، و إنّما الكلام في أنّه: هل يمكن للمولى رفع اليد عن تكليفه المعلوم بالإجمال، من قبيل رفعه اليد عن التكليف المشكوك، أو لا؟ و بكلمة أخرى: أنّ الفعليّة بهذا المعنى هي بنفسها محلّ البحث، فالتكلّم مع فرض هذه الفعليّة أمرا مفروغا عنه خروج عن محلّ البحث.
و إن كان مراده من فعليّته فعليّته ذاتا بقطع النّظر عن مسألة المزاحمة - سواء كان المقصود فعليّة المبادئ، أو كان المقصود فعليّة الموضوع - فكون ذلك منافيا للترخيص في الأطراف ممنوع، لما بيّنّاه من إمكان الترخيص من باب تفويت غرض مهمّ لأجل غرض أهمّ.
و أمّا كلام المحقّق العراقيّ قدّس سرّه في المقام، فهو دعوى مضادّة الترخيص في المقام لحكم العقل و الحكم الواقعيّ معا، و جعل رحمه اللّه مضادّة الترخيص للحكم
[١] كأنّ الفرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ في المقام لدى المحقّق الخراسانيّ هو أنّه ليس من المحتمل كون تفصيليّة العلم أحد الموانع عن فعليّة الحكم، في حين أنّه من المعقول افتراض الإجمال مانعا عن الفعليّة، فيقال: إنّنا إنّما نتكلّم عن فرض العلم بحكم كان من سائر الجهات غير جهة الشكّ فعليّا، فحكم من هذا القبيل لو تعلّق به العلم التفصيليّ أصبح فعليّا من كلّ الجهات، لأنّه حتى لو كان العلم دخيلا في الفعليّة فقد حصل. أمّا لو تعلّق به العلم الإجماليّ لا التفصيليّ بقي احتمال كون تفصيليّة العلم، و عدم اقترانه بالشكّ دخيلا في الفعليّة، فإن ثبت عدم دخله في الفعليّة، و بالتالي أصبح الحكم فعليّا من جميع الجهات، كان ذلك علّة تامّة للتنجيز. و إن كانت تفصيليّة العلم دخيلة في الفعليّة، أو قل: إنّ الإجمال و الشكّ كان مانعا عن الفعليّة، فالحكم لم يصبح فعليّا من جميع الجهات، إذن جازت مخالفته القطعيّة، و لم يكن العلم الإجماليّ مقتضيا للتنجيز فضلا عن العلّيّة التامّة.