تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٠٨ - سورة البقرة
بمن [١] لم يسلم منهم. وَ اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ أي المحنة و البلاء الّذى ينزل بالإنسان يتعذّب به أشدّ عليه من القتل؛ جعل الإخراج من الوطن من المحن الّتى يتمنّى عندها الموت؛ و قيل: الفتنة عذاب الآخرة كما قال: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [٢] ؛ و قيل: الشّرك أعظم من القتل في الحرم، و ذلك أنّهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم و يعيبون المسلمين به. و قرئ: و لا تقتلوهم، حتّى يقتلوكم فيه، فإن قتلوكم ؛ جعل وقوع القتل فى بعضهم كوقوعه فيهم، قال: فإن تقتلونا نقتلكم؛ } فَإِنِ اِنْتَهَوْا من الشّرك و القتل كقوله: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ [٣] .
حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ أي شرك وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلََّهِ خالصا ليس للشّيطان فيه نصيب، فَإِنِ اِنْتَهَوْا عن الشّرك فَلاََ عُدْوََانَ إِلاََّ عَلَى اَلظََّالِمِينَ أي فلا تعتدوا على المنتهين لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان و ظلم فوضع قوله: إِلاََّ عَلَى اَلظََّالِمِينَ موضع على المنتهين.
قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشّهر الحرام و هو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لقضاء العمرة [٤] و كراهتهم القتال و ذلك في ذى القعدة: اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ أي هذا الشّهر بذلك الشّهر و هتكه بهتكه يعنى [٥] تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم؛ وَ اَلْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ أي كلّ حرمة يجرى فيها القصاص فمن هتك حرمة اقتصّ منه بأن يهتك له حرمة فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم مثل ذلك و لا تبالوا؛ ثمّ أكّد ذلك بقوله: فَمَنِ اِعْتَدىََ عَلَيْكُمْ إلى آخره؛ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ
[١]هـ: لمن.
[٢]٥١/١٤.
[٣]٨/٣٩.
[٤]هـ (خ ل) و د: لعمرة القضاء.
[٥]هـ: -يعنى.