تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٣١ - سورة البقرة
ثمّ ذكر-سبحانه-التّرغيب بعد التّرهيب، و شفّع الإنذار بالبشارة، فبشّر عباده الّذين جمعوا بين الإيمان و صالح الأعمال بعد أن أنذر الكفّار و أوعدهم بالعذاب و النّكال. و البشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به. و الجنّة: البستان من النّخل و الشّجر، و أصلها من السّتر، فكأنّها لتكاثفها و التفاف [١] أغصان أشجارها سمّيت بالجنّة الّتى هى المرّة من مصدر جنّه: إذا ستره، و لو لا أنّ الماء الجاري من أعظم النّعم و أكبر [٢] اللّذّات، لما جاء اللّه-سبحانه-بذكر الجنّات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها في قرن [٣] واحد، كالشّيئين لا بدّ لأحدهما من صاحبه. و إسناد الجري إلى الأنهار إسناد مجازيّ، كقولهم: «بنو فلان يطأهم الطّريق» . و إنّما نكّرت الجنّات لأنّ دار الثّواب تشتمل [٤] على جنّات [٥] كثيرة مرتّبة على حسب استحقاق كلّ طبقة من أهلها. و عرّفت «اَلْأَنْهََارُ» لإرادة الجنس، كما تقول: «لفلان بستان فيه الماء الجاري و العنب و الفواكه» ، أو يراد الأنهار المذكورة في قوله-تعالى-: «فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ» الآية [٦] .
«كُلَّمََا رُزِقُوا» إمّا أن يكون صفة ثانية لجنّات، أو خبر مبتدإ [٧] محذوف، أو جملة مستأنفة، و المعنى: أنّهم كُلَّمََا رُزِقُوا من أشجار الجنّات نوعا من أنواع الثّمار «رِزْقاً قََالُوا هََذَا» مثل «اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ» و شبهه، بدليل قوله: «وَ أُتُوا بِهِ مُتَشََابِهاً» ، و هذا كقولك: «أبو يوسف: أبو حنيفة» ، تريد أنّه لاستحكام الشّبه كأنّ ذاته ذاته.
و الضّمير في قوله: «وَ أُتُوا بِهِ» يرجع إلى المرزوق في الدّنيا و الآخرة جميعا، لأنّ قوله: «هََذَا اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ» انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدّارين. و يجوز أن يرجع الضّمير فى «أُتُوا بِهِ» إلى الرّزق كما أنّ «هََذَا» إشارة إليه، فيكون المعنى أنّ ما يرزقونه [٨] من ثمرات الجنّة يأتيهم متجانسا في نفسه، كما يحكى عن الحسن:
يؤتى أحدهم بالصّحفة فيأكل منها، ثمّ يؤتى بالأخرى، فيقول: هذا الّذى أتينا به
[١]ب و د: التفات.
[٢]هـ: أكرم.
[٣]د: قرآن.
[٤]ب و ج و د: يشتمل.
[٥]هـ: جنان.
[٦]٤٧/١٥.
[٧]د: خبر المبتدإ.
[٨]د: يرزقون. ـ