تفسير جوامع الجامع - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٢٧ - سورة البقرة
.
و لمّا عدّد-سبحانه-فرق المكلّفين من المؤمنين و الكفّار و المنافقين، أقبل عليهم بالخطاب، و هو من الالتفات الّذى تقدّم ذكره، و هو فنّ من الكلام فيه هزّ و تحريك من السّامع، و تنبيه و استدعاء لإصغائه إلى الحديث. و «يا» حرف وضع فى أصله لنداء البعيد، و أي و الهمزة لنداء القريب، و «أيّ» وصلة إلى نداء ما فيه الألف و اللاّم، كما أنّ ذو و الّذى وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس و وصف المعارف بالجمل، و هو اسم مبهم يحتاج إلى ما يوضحه، فلا بدّ أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتّصف به حتّى يتّضح [١] المقصود بالنّداء، و الّذى عمل فيه حرف النّداء «أيّ» و الاسم التّابع له صفته، و قد كثر في كتاب اللّه النّداء على هذه الطّريقة، لاستقلاله بأوجه من التّأكيد في التّدرّج من الإبهام إلى التّوضيح، و كلمة التّنبيه المقحمة بين أيّ و صفته لتعاضد حرف النّداء بتأكيد معناه، و تكون [٢] عوضا ممّا يستحقّه من الإضافة. و كلّ ما نادى اللّه لأجله عباده من الأوامر و النّواهى و الوعد و الوعيد و غير ذلك أمور عظام و معان جليلة [٣] عليهم أن يتيقّظوا لها، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. «اَلَّذِي خَلَقَكُمْ» صفة لربّكم جرت عليه على سبيل المدح و الثّناء أي اعبدوا ربّكم على الحقيقة. و الخلق: إيجاد الشّيء على تقدير و استواء.
و «لعلّ» للتّرجّي أو الإشفاق، و قد جاء في مواضع من القرآن على سبيل الإطماع، و لكن لأنّه إطماع من كريم رحيم إذا [٤] أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، جرى إطماعه مجرى وعده المحتوم و فاؤه به. «و لعلّ» فى الآية ليس ممّا ذكرته في شىء، بل هو واقع موقع المجاز، لأنّه-سبحانه-خلق عباده ليكلّفهم، و أزاح [٥] عللهم في التّكليف
[١]ب و ج: يصح.
[٢]ب و ج، يكون.
[٣]د و هـ: -جليلة.
[٤]د: فاذا.
[٥]زاح: بعد و ذهب، و أزاحه غيره (صحاح اللغة) .