تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٩ - سنه ثلاث و تسعين و مائتين
و ذكر محمد بن داود ان زكرويه بن مهرويه هذا اقام رجلا كان يعلم الصبيان بقرية تدعى زابوقه، من عمل الفلوجة يسمى عبد الله بن سعيد، و يكنى أبا غانم، فتسمى بنصر ليعمى امره، و يخفى خبره، فاستهوى طوائف من الاصبغيين و العليصيين و صعاليك من بطون كلب، و قصد بهم ناحيه الشام، و كان عامل السلطان على دمشق و الأردن احمد بن كيغلغ، و كان مقيما بمصر على حرب الخليجي، فاغتنم ذلك عبد الله ابن سعيد المتسمى بنصر و سار الى مدينه بصرى، فحارب أهلها، ثم آمنهم فلما استسلموا له قتل مقاتلتهم و سبى ذراريهم، و استاق أموالهم، ثم نهض الى دمشق، فخرج اليه من كان بقي بها مع صالح بن الفضل خليفه احمد بن كيغلغ فقتل صالحا، و فض عسكره و لم يطمع في مدينه دمشق إذ دافعهم أهلها عنها ثم قصد القرمطى و من معه مدينه طبرية، فقتلوا طائفه من أهلها، و سبوا النساء و الذرية بها، فحينئذ انفذ السلطان لمحاربتهم الحسين بن حمدان في جماعه من القواد و الرجال، فوردوا دمشق، و قد دخل القرامطة طبرية فلما اتصل بهم خروج القواد اليهم، عطفوا نحو السماوه، و تبعهم الحسين بن حمدان و هم ينتقلون من ماء الى ماء و يعورون ما وراءهم من المياه.
فانقطع الحسين عن اتباعهم لما عدم الماء، و عاد الى الرحبه، و قصدت القرامطة الى هيت، فصبحوها و لم يصلوا الى المدينة لحصانه سورها لسبع بقين من شعبان، مع طلوع الشمس، فنهبوا ربضها، و قتلوا من قدروا عليه من أهلها، و احرقت المنازل و انهبت السفن التي في الفرات، و قتل من اهل البلد نحو مائتي نفس، و أوقروا ثلاثة آلاف بعير بالأمتعة و الحنطة ثم رحلوا الى البادية.
ثم شخص باثرهم محمد بن كنداج اليهم، فلما كان بقربه منهم، هربوا منه و عوروا المياه بينهم و بينه، فانفذت اليه الإبل و الروايا و الزاد، و كتب الى الحسين بن حمدان بالنفوذ اليهم من جهة الرحبه، و الاجتماع مع محمد بن كنداج على الإيقاع بهم.
فلما احسن الكلبيون الذين كانوا مع عبد الله بن سعيد القرمطى المتسمى بنصر، وثبوا عليه، و قتلوه، و تقربوا برأسه الى محمد بن كنداج، و اقتتلت القرامطة حتى وقعت بينهما الدماء.
ثم انفذ زكرويه داعيه له يسمى القاسم بن احمد، الى اكره السواد، فاستهواهم