تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٥٢ - ذكر مسير مؤنس الى بغداد و قتل المقتدر
فاخرج المقتدر كم قميصه ليمسح الدم عن وجهه، فضربه الآخر ضربه ثالثه، فتلقاها المقتدر بيده اليسرى، فقطعت ابهامه و انقلبت ابهامه و انقلبت الابهام الى ذراعه، و سقط الى الارض، و اجتمعت عليه جماعه رجاله فاحتزوا راسه، و حمل الى مؤنس و ذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شوال سنه عشرين و ثلاثمائة، و كان الذى حمله سراج البكتمرى.
فلما نظر اليه مؤنس اشتد جزعه، و غمه و ناله عليه امر عظيم.
و قيل: ان الذى قتل المقتدر نقيط غلام مؤنس، و ان جثته بقيت مجرده، فطرح بعض المطوعة على سوءته خرقه ثم أخذها رجل من العجم، و القى عليها حشيشا، الى ان حملت الجثة الى مؤنس، فاضاف إليها الراس و سلمه الى ابن ابى الشوارب القاضى ليتولى امره، فقيل انه دفن مع ابيه، و قيل انه دفن في رقه الشماسيه، و قيل أيضا انه طرح في دجلة، و لم تزل الرعية يصلون في مصرعه و يدعون على قاتله و بنى في الموضع مسجد و حظيرة كبيره، و كان عمر المقتدر يوم قتل ثمانية و ثلاثين سنه و شهر و سته ايام و كانت ولايته الخلافه أربعا و عشرين سنه و احد عشر شهرا.
و ولد أبا العباس الراضي محمدا و العباس أبا احمد، و هارون أبا عبد الله، و عبد الواحد أبا على و ابراهيم أبا إسحاق المتقى، و الفضل أبا القاسم المطيع، و عليا أبا الحسن، و إسحاق أبا يعقوب و عبد الملك أبا محمد و عبد الصمد و لم يذكر الفرغاني جميعهم و انما ذكر سته منهم.
و بقي مؤنس في مضاربه بباب الشماسيه، و لم يدخل بغداد حتى اقام القاهر للخلافة.
و استامن اليه القواد المنهزمون عن المقتدر، فامنهم و انقطع الطلب عن جميعهم و سكن الناس، و هدنهم و اظهر الأسف، لما دار في امر المقتدر و جمع القواد للمشورة في الخليفة بعده، و دار الرأي بينهم في ذلك.
و امر مؤنس باحضار بلال بواب دار ابن طاهر التي كان فيها اولاد الخلفاء، و ساله عمن فيها من اولاد الخلفاء، فذكر جماعه فيهم محمد القاهر، فمال هواهم اليه- و كان مؤنس قد كرهه و نهاهم عنه- فقالوا: هو كهل، و لا أم له، و نرجو ان تستقيم أمورنا معه، فاطاعهم فيه، و أجابهم اليه و احضروه على ما سيقع بعد هذا ذكره.
قال: و حدثنى ابو الفهم ذكى ان رشيقا الأيسر و كان الذى اقبل بالقاهر