تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٤٤ - مخالفة مؤنس المظفر على المقتدر
لا يرد احدهم وجها عن عدو، فسار مؤنس الى سر من راى، و عسكر بالجانب الشرقى.
و اجتمع الناس بقصر الجص الى مؤنس فكلمهم و وعدهم، و قال لهم: ما انا بعاص لمولاي، و لا هارب عنه، و انما هذه طبقه عادتنى، و غلبت على مولاى، فأثرت التباعد الى ان يفيقوا من سكرتهم، و اتامل امرى معهم، و لست مع هذا اتجاوز الموصل اللهم الا ان يختار مولاى مسيرى الى الشام، فاسير إليها و قال لهم في خلال ذلك: من اراد الرجوع الى باب الخليفة فليرجع، و من اراد المسير معى فليسر، فردوا عليه احسن مرد و قالوا له: نحن في طاعتك، ان سرت سرنا، و ان عدت عدنا.
و بعث مؤنس أبا على المعروف بزعفران مع عشره من القرامطة في مال كان له مودعا عند بعض و كلائه بعكبراء، فأتاه منها بخمسين الف دينار، فدفع منها مؤنس ارزاق من كان معه، و زادهم خمسه دنانير و اقام مؤنس يومه ذلك بقصر الحص، فاحترق سقف من سقوف القصر، فشق ذلك على مؤنس، و اجتهد في إطفاء النار فتعذر ذلك عليه، ثم سار و هو مغموم لما دار من الحريق في القصر، يريد الموصل.
و نفذت كتب الوزير ابن القاسم من المقتدر الى جميع من في الغرب من القواد كبني حمدان و ابن طغج صاحب دمشق، و الى تكين صاحب مصر، و الى ولاه ديار ربيعه و الجزيرة و آذربيجان و ملوك أرمينية و الثغور الجزرية و الشامية يأمرهم، بأخذ الطرق على مؤنس و يلبق و ولده و زعفران، و من كان معهم و محاربتهم و القبض عليهم.
و بلغ ذلك مؤنسا، فغمه الأمر، و كتمه عن جميع من كان معه و سار الى تكريت، و قد انصرف عنه اكثر من كان معه ثم ان مؤنسا فكر في امره و الى اين يكون توجهه، فلم يجد في نفسه اوثق عنده و لا اشكر ليده من بنى حمدان فانه كان عند ذكره إياهم يقول: هم أولادي، و انا أظهرتهم و كانت له عند حسين بن حمدان وديعة، فاراد ان يجتاز به و يأخذها و يسير بها الى الرقة، و قد كان بلغه تجمع بنى حمدان و حشدهم لمحاربته، فلم يصدق ذلك، ثقه منه بهم، فرحل عن تكريت الى بنى حمدان، بعد ان شاور من حضره في الطرق التي يأخذ عليها، فأشارت عليه طائفه بقطع البريه و الخروج الى هيت ثم المسير الى شط الفرات و قال يلبق و زعفران لمؤنس: