تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٠١ - سنه احدى عشره و ثلاثمائة
و كانت عظيمه، و كانت له ضياع و مستغلات و امتعه و وطاء و كسوه لا يعرف لشيء منها قدر، فقال نصر الحاجب للمقتدر ان يأنسا خلف ضياعا تغل ثلاثين الف دينار الى ما خلف من سائر المال، و اشار عليه بان يوجه ابنه أبا العباس الى دار يانس، فيصلى عليه و يأمر بدفنه، و يحضر جميع فرسانه و خدمه و حاشيته فيقول لهم: انا مكان يانس لكم وفوقه، و زائد في الاحسان إليكم، و التفقد لأحوالكم ثم يحصى ما تخلفه و لا يفوت منه شيء، فيجمع بذلك الاستحماد الى الرجال و الاحراز للمال فاصغى المقتدر الى نصيحه نصر الحاجب، و ظهر له صواب قوله: فلما خرج عنه حوله ابن الفرات و ولديه عن رايه، و امر المحسن بتحصيل التركه فاذهب أكثرها، و خان الخليفة فيها و أخذ اكثر ذلك لنفسه، حتى لقد كانت الشقاق الدبيقيه الشقيريات التي اقل ثمن كل واحده منها سبعون دينارا، تحشى بها المخاد الأرمينيه و المساور، و تباع فتشترى للمحسن على ان الذى داخلها حشو صوف، و كذلك فعل بالقصب المرتفع الرشيدي و الملحم الشعبى و النيسابورى، و لقد أخذ من الوسائد الرفيعه و المساور المحكمه فحشاها بالندو العود، عتيا و طغيانا، و كذلك كان يتكئ عليها.
و مما يعتد به على ابن الفرات و ولده ان احمد بن محمد بن خالد الكاتب المعروف بأخي ابى صخره كان قد ولى الدواوين و كان من مشايخ الكتاب و رؤسائهم فتوفى في هذا العام و خلف ورثه احداثا، فانهى كثره ما خلف من المال الى المقتدر، فامر بالتوكيل بخزانته و داره، فسار بعض الورثه الى المحسن و ضمنوا له مالا على ازاله التوكيل و حل الاعتقال، فكلم المحسن أباه في ذلك، و ركب الى المقتدر، فقال له: ان المعتضد و المكتفي قد كانا قطعا الدخول على الناس في المواريث، و انا ارى لمولاي ان يحيى رسومهما، و ان يأمر باثبات عهد الا يتعرض احد في ميراث، فأجابه المقتدر الى ذلك إذ ظن انها نصيحه منه، فسلمت الدار الى ورثه الكاتب، و أنشأ ابن الفرات كتابا عن المقتدر في اسقاط المواريث نسخته.
بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد، فان امير المؤمنين المقتدر بالله يؤثر في الأمور كلها