تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٦ - بدل بدل
قلْتُ: و أَمَّا البَدَلُ عنْدَ النَّحويِّين فهو تابعٌ مقصودٌ بما نُسِبَ إلى المتبوعِ دونه فخَرَجَ بالقصدِ النعتِ و التَّوكيدِ و عطفِ البَيَانِ لأَنَّهَا غيرُ مقصودةٍ بما نُسِبَ إلى المتْبُوعِ و بَادَلَهُ مُبادَلَةً و بِدَالاً بالكسرِ أَعْطاهُ مِثْلَ ما أَخَذَ منه و أَنْشَدَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ:
قال أَبي خَوْنٌ فقيلَ: لا لا # لَيْسَ أَباك فاتْبَعِ البِدَالا [١]
و قالَ ابنُ دُرَيْدٍ: بادَلْت الرَّجلَ إذا أَعْطَيْته شروى ما تأْخُذُ منه. و الأَبْدالُ قَوْمٌ من الصَّالحينَ لا تَخْلو الدُّنيا منهم، بهم يُقيمُ اللّه عَزَّ و جَلَّ الأَرْضَ و قالَ ابنُ دُرَيْدٍ: هم سَبعونَ رجلاً فيمَا زَعَمُوا لا تَخْلَو منهم الأَرْضُ، أَرْبَعُونَ رجلاً منهم بالشامِ و ثلاثونَ بغيرِها. قالَ غيرُه: لا يَموتُ أَحدُهُم إلاَّ قامَ مكانَه آخَرُ من سائِرِ الناسِ. قالَ شَيْخُنا: الأَوْلَى إلاَّ قامَ بَدَله لأَنَّهم لذلك سُمُّوا أَبْدالا .
قلْتُ: و عبارَةُ العُبَابِ إذا مَاتَ منهم واحِدٌ أَبْدَلَ اللّه مَكَانَه آخَرَ و هي أَخْصَر من عبارَةِ المصنّفِ، و اخْتُلِفَ في واحِدِه فقيلَ: بَدَلٌ محرَّكةً صَرَّحَ به غيرُ واحِدٍ. و في الجَمْهَرَةِ:
واحِدُهم. بَدِيلُ كأَميرٍ و هو أَحَدُ ما جاءَ على فَعِيْلٍ و أَفْعَالٍ و هو قليلٌ كما تقدَّمَ، و نَقَلَ المَنَاوِي عن أَبي البَقَاءِ قالَ:
كأَنَّهم أَرَادُوا أَبْدَلَ الأَنْبِياء و خُلَفائهم و هم عنْدَ القَوْمِ سَبْعَةٌ لا يَزِيدُون و لا يَنْقَصُون يَحْفَظُ اللّه بهم الأَقَالِيم السَّبْعة لكلِّ بدلٍ إِقْليم فيه وِلايَتُه منهم واحِدٌ على قدمِ الخَليلِ و له الإِقْلِيمُ الأَوَّلُ، و الثاني على قدمِ الكَليمِ، و الثالِثُ على قدمِ هَرََون، و الرَّابعُ على قدمِ إِدْريس، و الخامسُ على قدم يوسُفُ، و السادسُ على قدم عَيسى، و السَّابعُ على قدمِ آدَمَ عَلَيهم السَّلامُ على تَرْتيبِ الأَقَالِيم، و هم عارِفُون بمَا أَوْدَعَ اللّه في الكَوَاكِبِ السَّيَّارةِ من الأَسْرارِ و الحَرَكاتِ و المَنَازلِ و غيرِها، و لَهُم من الأَسْماءِ أَسْماءُ الصفاتِ و كلُّ واحدٍ بحسبِ ما يُعْطِيه حَقِيْقة ذلك الاسمِ الإِلهِي من الشّمُولِ و الإِحاطَةِ، و منه يكونُ تَلَقِّيه انْتَهَى.
و قالَ شيْخُنا: علامَتُهم أَنْ لا يُولدَ لَهُمْ، قالوا: كان منهم حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ بنَ دِينَارٍ تَزَوَّجَ سَبْعِين امْرَأَةً فلم يُولَدْ له كما في الكَوَاكبِ الدَّرارِي. قَلْتُ: و في شرحِ الدَّلائلِ للفاسيّ في ترجَمَةِ مُؤَلِّفِها ما نصّه: وجَدْتُ بخطِّ بعضِهم أَنَّه لم يَتْرك ولداً ذَكَراً انْتَهَى.
و أَفَادَ بعضُ المُقَيدِين أَنَّ هذا إشارةٌ إلى أَنَّه كان من الأَبْدالِ . ثم قالَ شيْخُنا: و قَدْ أَفْرَدَهُم بالتَّصْنِيفِ جماعَةٌ منهم السَّخَاوِي و الجِلالُ السيوطِي و غيرُ واحِدٍ.
قلْتُ: و صَنَّفَ العَزُّ بنُ عَبْدِ السَّلامِ رِسِالةٌ في الردِّ على مَن يقُولُ بوجُودِهم، و أَقَامَ النّكِيرَ على قَوْلِهم: بهم يحفظُ اللّهُ الأَرْضَ فَلْيُتَنَبَّهْ لذلِكَ. و بَدَّلَه تَبْديلاً حَرَّفَهُ و غيَّرَه بغيرِه و تَبَدَّلَ تَغَيَّرَ و قَوْلُه تعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ [٢] . قالَ ابنُ عَرَفَةَ: التَّبْدِيلُ تَغْييرُ الشيْءِ عن حالِهِ. و قالَ الأَزْهَرِيُّ: تَبْدِيلُها تَسْييرُ جبَالِها و تَفْجِيرُ بحارِها و كونُها مُسْتويةً لاََ تَرىََ فِيهََا عِوَجاً وَ لاََ أَمْتاً ، و تَبْدِيلُ السَّمََوات: انْتِثَارُ كَواكِبِها و انْفِطارُها و تكويرُ شَمْسِها و خسوفُ قمرِها و قَوْلُه تعَالَى: مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ [٣] . قالَ مُجاهِدُ: يقُولُ قَضَيْت ما أَنَا قاضٍ. و رَجُلٌ بِدْلٌ بالكسرِ و يُحَرَّكُ شَريفٌ كَريمٌ الأَوَّل عن كراعٍ و فيه لفٌّ و نَشْرٌ غيرُ مُرَتَّب، ج أَبْدالٌ كطِمْرٍ و أَطْمارٍ و جِبْلٍ و أَجْبالٍ و البَدَلُ محرَّكةً وجَعُ المَفاصِلِ و اليَدَيْنِ. و في العُبَابِ: وجَعٌ في اليَدَيْنِ و الرِّجْلَين و قد بَدِلَ كفَرِحَ فهو بَدِلٌ ككَتِفٍ و أَنْشَدَ يَعْقوب في الأَلْفاظِ:
فَتَهَدَّرَتْ نفْسِي لذاكَ و لم أَزَلْ # بَدِلاً نَهارِيَ كُلَّه حتى الأُصُل [٤]
و البَأْدَلَةُ لَحْمَةٌ بين الإِبْطِ و الثَّنْدُوَةِ و قيلَ: ما بَيْن العُنَقِ و التَّرْقُوَةِ، و الجَمْعُ بآدِلُ ، و قَدْ ذُكِرَ في أَوَّلِ الفَصْلِ على أَنَّه رُبَاعِيُّ و أَعَادَه ثانياً على أَنَّه ثلاثيٌّ. و بَدِلَ كفَرِحَ بدلاً شَكَاها على حكمِ الفِعْلِ المصوغِ من أَلْفاظِ الأَعْضَاءِ لا على العامَّةِ، قال ابنُ سِيْدَه: و بذلك قَضَيْنا على هَمْزَتَها بالزيادة و هو مذهبُ سِيْبَوَيْه في الهَمْزَةِ إِذا كانَتْ الكَلِمةُ تَزِيدُ على الثلاثَةِ. و البَدَّالُ كشَدَّادٍ بَيَّاعُ المَأْكُولاتِ من كلِّ شيء منها هكذا تقُولُه العَرَبُ، قالَ أَبو حاتمٍ: سُمِّي به لأَنَّه يَبْدِلُ بَيْعاً
[١] اللسان.
[٢] سورة إبراهيم الآية ٤٨.
[٣] سورة ق الآية ٢٩.
[٤] اللسان و نسبه للشوْأَل بن نُعَيم، و الشطران أيضاً في الأساس، و نسبهما لابن نُعيم.
ـ