بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٣٦٠ - دفع ما يدعى من التفصيل بين كون الحكم عقليا فلا يجري الاستصحاب و بين النقلي فيجري
.....
و حاصل الدفع: ان التلازم بين الحكم الشرعي و الحكم العقلي في القضايا التي دليل الحكم فيها هو العقل انما هو في مقام تحقق الحكم و ثبوته لا في مقام عدم الحكم.
و توضيح ذلك: ان العقل في هذه القضايا اذا حكم بحكم الموضوع فلا بد و ان يطابقه حكم الشرع، لانه رئيس العقلاء و واهب العقل، فاذا حكم العقل- مثلا- بحسن الصدق لانه من العدل و بقبح الكذب لانه من الظلم، فلا بد و ان يحكم الشرع على طبقه فيأمر بالصدق و ينهى عن الكذب، و لكنه لا يستلزم عدم حكم العقل به لشكه في حسنه عدم حكم الشرع ايضا.
و الحاصل: ان العقل تارة: يحكم بقبح الكذب- مثلا- كالكذب الذي لم يتوقف عليه حفظ نفس او حفظ مال كثير. و اخرى: يحكم بحسن الكذب فيما اذا توقف عليه حفظ النفس. و ثالثة: يشك في حسنه و قبحه فيما اذا توقف عليه حفظ مال قليل.
فاتضح: ان انتفاء ما له دخل في ثبوت الحكم في القضايا العقلية: تارة يكون لانتفاء ما هو المقدم لثبوت الحكم للموضوع، و اخرى يكون لانتفاء ما له دخل في ثبوت الحكم و لكنه ليس بمقوم له، لما عرفت من ان الموضوع التام لحكم العقل بقبح الكذب هو الكذب الذي لا يتوقف عليه حفظ النفس و حفظ المال الكثير، فاذا توقف على الكذب حفظ النفس فيكون انتفاء عدم توقف حفظ النفس عليه لفرض كون الكذب مستلزما لاتلاف النفس من انتفاء المقوّم للموضوع، و متى توقف على الكذب حفظ المال القليل فان انتفاءه ما له دخل في ثبوت الحكم و ليس من المقوّم للموضوع عند العقل، و لذلك كان العقل شاكا في حكمه، ففي مقام الشك عقلا في قبح الكذب لعروض انتفاء ما ليس بمقوّم لثبوت الحكم له فلا يحكم فيه بحكم لا يستلزم عدم حكم الشارع ايضا، بل قد يحكم الشارع بحسنه فيأمر به اذا توقف عليه حفظ المال القليل، و قد يحكم بقبحه و ينهى عنه بحكم الاستصحاب باستصحاب ثبوت حرمته قبل عروض توقف حفظ المال القليل عليه.