بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٥٢ - أنحاء تعلق النهي بالطبيعة
.....
و اما النهي على النحو الثاني و الثالث، فلما كان النهي في الثاني متعلقا بمحض ترك الطبيعة المتوقف على ترك جميع افرادها، و في النحو الثالث لما كان السبب في النهي عن الفعل هو تعلق المصلحة بجميع التروك فكان المطلوب فيها في الحقيقة هو جميع التروك على نحو الكلّ المجموعي، و في كلا هذين النحوين النهي واحد و المتعلق واحد، فانه في الثاني نهي واحد تعلق بنفس وجود الطبيعة، و في الثالث نهي واحد تعلق بمجموع وجودات افرادها، و المفروض وصول هذا النهي الواحد المتعلق بمتعلق واحد، و شغل الذمة اليقيني به يستدعي الفراغ اليقيني به، فلذلك اذا كان النهي على النحو الثاني أو الثالث فلا مجال لجريان البراءة في الفرد المشكوك، فيكون المدار في جريان البراءة و عدمها هو وحدة النهي و متعلقه و تعدد النهي و متعلقه، فان تعدد النهي و لو تحليلا كان مجال لجريان البراءة، لعدم وصول النهي في مقام تردده بين الفرد المشكوك حرمته و عدمها، كالمائع المردد بين كونه خمرا او خلا، و ان لم يتعدد النهي لم يكن مجال لجريان البراءة لوصول النهي الواحد مع متعلقه، و شغل الذمة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فلا بد من احراز الامتثال للنهي الواصل، و لا يحصل الاحراز إلّا بترك جميع افراد الطبيعة، اما بالقطع او بالاصل كما سنشير اليه.
و الى هذا التفصيل اشار بقوله: ( (الثالث انه لا يخفى ان النهي عن شيء اذا كان بمعنى طلب تركه في زمان او مكان بحيث لو وجد في ذاك الزمان او المكان و لو دفعة)) واحدة ( (لما امتثل)) النهي ( (اصلا)) و ذلك في ما لو كان النهي عن مفسدة في محض وجود الطبيعة كالقتل او العمى، او كان لمصلحة في جميع تروك افراد الطبيعة، فانه لو كان عن مفسدة في وجود محض الطبيعة و وجدت الطبيعة بوجود فرد من افرادها لتحققت المفسدة و حصل العصيان، و كذا فيما كان لمصلحة في جميع تروك افرادها، فانه لو وجد فرد واحد منها لما تحققت المصلحة المترتبة على جميع التروك، و على هذا فحيث وصل النهي الواحد المتعلق بشيء واحد- هو اما محض الطبيعة أو جميع افرادها على نحو الكل المجموعي، فان الكل المجموعي واحد ايضا كمحض