كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٥٢ - التقسيم
خصوصية الفرع مانعا منه. مثاله أن يكون المطلوب ربوية الذّرة فيدلّ عليه مساواته البرّ فيما هو علّة لربوية البرّ من طعم أو قوت أو كيل فإنّ ذلك دليل على ربوية الذّرة، فالأصل البرّ و الفرع الذّرة و حكم الأصل حرمة الربا في البر و حكم الفرع المثبت بالقياس حرمة الربا في الذّرة. قيل المساواة أعمّ من أن يكون في نظر المجتهد أو في نفس الأمر فالتعريف شامل للقياس الصحيح و الفاسد و هو الذي لا يكون المساواة فيه في نفس الأمر. و قيل المتبادر إلى الفهم هو المساواة في نفس الأمر فيختصّ التعريف بالقياس الصحيح عند المخطّئة. و أما المصوّبة و هم القائلون بأنّ كلّ مجتهد مصيب فالقياس الصحيح عندهم ما حصلت فيه المساواة في نظر المجتهد سواء ثبت في نفس الأمر أو لا حتى لو تبيّن غلطه و وجب الرجوع عنه فإنّه لا يقدح في صحته عندهم، بل ذلك انقطاع لحكمه لدليل صحيح آخر حدث، فكان قبل حدوثه القياس الأول صحيحا، و إن زال صحته فحقّهم أن يقولوا هو مساواة الفرع للأصل في نظر المجتهد في علّة حكمه. و إذا أردنا حدّ القياس الشامل للصحيح و الفاسد لم يشترط المساواة و قلنا بدلها إنّها تشبيه فرع بالأصل أي الدلالة على مشاركته أي الفرع له أي للأصل في أمر هو الشّبه و الجامع فإن كان حاصلا فالتشبيه مطابق و إلّا فغير مطابق، و على كل تقدير فالمشبّه إمّا أن يعتقد حصوله فيصحّ في الواقع أو في نظره، و إمّا أن لا يعتقد حصوله ففاسد.
هذا ثم اعلم أنّ المراد بالمساواة أعمّ من التضمّنيّة و المصرّح بها فلا يرد أنّ الحدّ لا يتناول قياس الدلالة و هو ما لا يذكر فيه العلّة بل وصف ملازم لها كما يقال في المكره يأثم بالقتل فيجب عليه القصاص كالمكره فإنّ الإثم بالقتل لا يكون علّة لوجوب القصاص. و وجه الدفع أنّ المساواة في التأثيم دلّت على قصد الشارع حفظ النفس بهما و هو العلّة، أو يقال هذا تعريف قياس العلّة فإنّ لفظ القياس إذا أطلقناه فلا نعني به إلّا قياس العلّة و لا نطلقه على قياس الدلالة إلّا مقيّدا. قيل لا يتناول الحدّ قياس العكس فإنّه ثبت فيه نصّ حكم الأصل بنقيض علّته. مثاله قول الحنفية لمّا وجب الصيام في الاعتكاف بالنّذر وجب بغير النّذر كالصلاة فإنّها لمّا لم تجب بالنّذر لم تجب بغير النّذر، فالأصل الصلاة و الفرع الصوم، و الحكم في الأصل عدم الوجوب بغير نذر و في الفرع نقيضه و هو الوجوب بغير نذر، و العلّة في الأصل عدم الوجوب بالنّذر و في الفرع نقيضه و هو الوجوب بالنّذر. و أجيب بأنّه ملازمة و القياس لبيان الملازمة و المساواة حاصلة على التقدير، و حاصله لو لم يشترط لم يجب بالنّذر و اللازم منتف، ثم بيّن الملازمة بالقياس على الصلاة فإنّها لمّا لم تكن شرطا لم تجب بالنّذر.
و لا شكّ أنّ على تقدير عدم وجوبه بالنّذر المساواة حاصلة بينها و بين الصوم و إن لم يكن حاصلا في نفس الأمر.
و اعلم أنّ القياس و إن كان من أدلّة الأحكام مثل الكتاب و السّنّة لكنّ جميع تعريفاته و استعمالاته منبئ عن كونه فعل المجتهد، فتعريفه بنفس المساواة محلّ نظر. و لذا عرّفه الشيخ أبو منصور [١] بأنّه إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علّته في الآخر. و اختيار لفظ الإبانة دون الإثبات لأنّ القياس مظهر للحكم و ليس بمثبت له بل المثبت هو اللّه تعالى. و ذكر
[١] هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد اللّه البغدادي التميمي الأسفراييني، ابو منصور، ولد ببغداد و توفي بأسفرايين عام ٤٢٩ ه/ ١٠٣٧ م. عالم متفنن من ائمة الاصول، عالم عصره إذ درّس في سبعة عشر فنا في العلوم، له تصانيف كثيرة.
الاعلام ٤/ ٤٨، وفيات الأعيان ١/ ٢٩٨، طبقات السبكي ٣/ ٢٣٨، فوات الوفيات ١/ ٢٩٨، مفتاح السعادة ٢/ ١٨٥.