كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١١٩٨ - فائدة
في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حدّ ذاتها عن الصور كلّها و تسمّى النفس و كذا قوة النفس في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني أيضا. و على هذا فقس سائر المراتب. و في كون هذه المرتبة من مراتب القوة النظرية نظر لأنّ النفس ليس لها هاهنا تأثّر بل استعداد تأثّر، فينبغي أن تفسّر القوة النظرية بالتي يتأثّر بها النفس أو تستعد بها لذلك، و يمكن أن يقال استعداد الشيء من جملته. فمبنى هذا على المساهلة و إنّما بني على المساهلة تنبيها على أنّ المراد هو الاستعداد القريب من الفعل إذ لو كان مطلق الاستعداد لما انحصرت المراتب في الأربع إذ ليس لها باعتبار الاستعداد البعيد مرتبة أخرى فوق الهيولاني و هي المرتبة الحاصلة لها قبل تعلّق النفس بالبدن. و ثانيتها العقل بالملكة و هو العلم بالضروريات و استعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات منها، و هذا العلم حادث بعد ابتداء الفطرة، فله شرط حادث بالضرورة دفعا للترجيح بلا مرجّح في اختصاصه بزمان معيّن، و ما هو إلّا الإحساس بالجزئيات و التنبيه لما بينها من المشاركات و المباينات، فإنّ النفس، إذا أحسّت بجزئيات كثيرة و ارتسمت صورها في آلاتها الجسمانية و لاحظت نسبة بعضها إلى بعض استعدّت لأن تفيض عليها من المبدأ صور كلّية و أحكام تصديقية فيما بينها، فهذه علوم ضرورية، و لا نريد بها العلم بجميع الضروريات فإنّ الضروريات قد تفقد إمّا بفقد التصوّر كحسّ البصر للأكمه و قوة المجامعة للعنّين، أو بفقد شرط التصديق، فإنّ فاقد الحسّ فاقد للقضايا المستندة إلى ذلك الحسّ، و بالجملة فالمراد بالضروريات أوائل العلوم و بالنظريات ثوانيها سمّيت به لأنّ المراد بالملكة إمّا ما يقابل الحال، و لا شكّ أنّ استعداد الانتقال إلى المعقولات راسخ في هذه المرتبة، أو ما يقابل العدم كأنّه قد حصل للنفس فيها وجود الانتقال إليها بناء على قربه، كما سمّي العقل بالفعل عقلا بالفعل لأنّ قوته قريبة من الفعل جدا. قال شارح هداية الحكمة: العقل بالملكة إن كان في الغاية بأن يكون حصول كلّ نظري بالحدس من غير حاجة إلى فكر يسمّى قوة قدسية. و ثالثتها العقل بالفعل و هو ملكة استنباط النظريات من الضروريات أي صيرورة الشخص بحيث متى شاء استحضر الضروريات و لا حظها و استنتج منها النظريات، و هذه الحالة إنّما تحصل إذا صار طريقة الاستنباط ملكة راسخة فيه. و قيل العقل بالفعل هو حصول النظريات و صيرورتها بعد استنتاجها من الضروريات بحيث استحضرها متى شاء بلا تجشّم كسب جديد، و ذلك إنّما يحصل إذا لاحظ النظريات الحاصلة مرة بعد أخرى حتى يحصل له ملكة نفسانية يقوى بها على استحضارها متى أراد من غير فكر، و هذا هو المشهور في أكثر الكتب. و بالجملة العقل بالفعل على القول الأول ملكة الاستنباط و الاستحصال و على القول الثاني ملكة الاستحضار. و رابعتها العقل المستفاد و هو أن يحصّل النظريات مشاهدة سمّيت به لاستفادتها من العقل الفعّال، و صاحب هداية الحكمة سمّاها عقلا مطلقا و سمّى معقولاتها عقلا مستفادا. و قال شارحها لا يخفى أنّ تسمية معقولات تلك المرتبة بالعقل المستفاد خلاف اصطلاح القوم.
اعلم أنّ العقل الهيولاني و العقل بالملكة استعدادان لاستحصال الكمال ابتداء و العقل بالفعل بالمعنى الثاني المشهور استعداد لاسترجاعه و استرداده فهو متأخّر في الحدوث عن العقل المستفاد لأنّ المدرك ما لم يشاهد مرات كثيرة لا يصير ملكة و متقدّم عليه في البقاء لأنّ المشاهدة تزول بسرعة و تبقى ملكة الاستحضار مستمرة فيتوصّل بها إلى مشاهدته، فبالنظر إلى الاعتبار الثاني يجوز تقديم العقل