كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٨٠٩ - فائدة
اللّه عليه و آله و سلم، فلما خلق اللّه و هم هذا الإنسان من نور الكمال أظهره في الوجود بلباس القهر، فأقوى شيء يوجد في الإنسان القوة الواهمة فإنّها تغلب العقل و الفكر و المصورة و المدركة، و أقوى الملائكة عزرائيل عليه السلام لأنّه خلق منه. فلهذا حين أمر اللّه الملائكة أن تقبض من الأرض قبضة ليخلق منها آدم عليه السلام لم يقدر أحد أن يقبض منها إلّا عزرائيل لأنّها كلما نزل بها ملك من الملائكة أقسمت عليه باللّه أن يتركها فتركها، فلما نزل بها عزرائيل أقسمت عليه فاستدرجها في قسمها فقبض منها ما أمره اللّه أن يقبض، و تلك القبضة هي روح الأرض فخلق اللّه من روحها جسد آدم، فلذا تولّى عزرائيل قبض الأرواح لما أودع اللّه فيه من القوة الكمالية المتجلّية في مجلى القهر و الغلبة. ثم إنّ هذا الملك عنده من المعرفة بأحوال جميع من يقبض روحه ما لا يمكن شرحه فيتخلّق لكلّ جنس بصورة، و قد يأتي إلى بعض الأشخاص في غير صورة بل بسيطا فينفس مقابلة للروح تتعشق به فتطلب الخروج من الجسد و قد مسكها الجسد و تعلّقت به للتعشّق الأول الذي بين الروح و الجسد، فيحصل النزاع بين المنازعة الخاصة العزرائيلية له و بين تعشّقه بالجسد إلى أن يغلب عليه الجذب العزرائيلي فتخرج، و هذا الخروج أمر عجيب.
اعلم أنّ اللّه تعالى جعل الوهم مرآة نفسه و مجلى قدسه، ليس في العالم شيء أسرع إدراكا منه، له التصرّف في جميع الموجودات، به تعبد اللّه العالم و بنوره نظر إلى آدم و به مشى من مشى على الماء، و به طار من طار في الهواء، و هو نور اليقين و أصل الاستيلاء و التمكين، من سخّر له هذا النور و حكم عليه تصرّف به في الوجود العلوي و السفلي و من حكم عليه سلطان الوهم لعب في أموره فتاه في ظلام الحيرة بنوره. ثم اعلم أنّ اللّه لما خلق الوهم قال له أقسمت أن لا أتجلّى لأهل التقليد إلّا فيك، و لا أظهر للعالم إلّا في مخافيك، فعلى قدر ما تصعدهم إلي تدلّهم عليّ، و على قدر ما تنكس عني بأنوارهم تهلكهم في بوارهم. فقال له الوهم: أي و ربّي أقم المرقاة بالاسم و الصفات ليكون علما إلى منصة الذات.
فأقام اللّه فيه الأنموذج المنير، فانتقش في جداره بالهيئة و التقدير، و تحكّم فيه عبودية الحقّ تعالى، فأقسم على نفسه باسم ربّه. و الآن لا يزال تفتح هذه الأفعال بتلك المفاتيح الثقال إلى أن يلج جمله في سمّ خياط الجمال إلى فضاء صحراء الكمال، فيعبد فيه الحقّ المتعال، فحينئذ ألبسه اللّه خلعة التقريب و قال له:
أحسنت أيّها الملك الأديب، ثم كساه حلّتين الأولى من النور الأخضر مكتوب على طرازها بالكبريت الأحمر الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ [١]. و أمّا الحلّة الثانية فهي القاصية الدانية قد نسجت من سواد الطغيان مكتوب على طرازها بقلم الخذلان: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [٢]. فلما نزل هذا النور و أخذ بين العالم في الظهور خلق اللّه من نزوله الجنة و أكلها آدم فخرج بها من الحبة فتأمّل كذا في الإنسان الكامل.
الوهميّ:
[في الانكليزية]Illusory ،chimerical ،imaginary ،fictitious
[في الفرنسية]Chimerique ،illusoire ،imaginaire ،fictif
بياء النسبة يطلق على المعنى الجزئي المدرك بالوهم، و قد يطلق على ما اخترعته القوة المتخيّلة اختراعا صرفا من عند نفسها على
[١] الرحمن/ ١- ٤
[٢] العصر/ ٢