كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٤٨٤ - فائدة
قال المحقّقون: المحبّ و المحبوب شيء واحد، و في هذا المقام لا يكون المحبة حجابا لقيامها بذاتها عند فناء جهتي المحبوبية و المحبّية فيها.
و ما قيل إنّ المحبّة حجاب لاستلزامها الجهتين و إشعارها بالانفصال أريد به محبّة غير محبوبة، و بداية المحبّية و المحبوبية أمر مبهم لأنّ المحبّ لا يكون [محبّا] [١] إلّا بعد سابقية جذب المحبوب إيّاه، و لا يجذبه إلّا لمحبته إيّاه، فكلّ محبوب محبّ و كلّ محبّ محبوب، و من هذه الجهة تكلّم المحبّ عن نفسه بخصائص المحبوب. و تخصيص بعض الأولياء بالمحبية و بعضهم بالمحبوبية بظهور أحد الوصفين فيهم و بطون الآخر، فمن ظهر عليه أمارات المحبية من سبق اجتهاده الكشف قيل محب لبطون وصف المحبوبية فيه، و من ظهر عليه علامات المحبوبية من سبق كشفه الاجتهاد قيل محبوب لبطون وصف المحبية فيه، و لا يصل المحبّ إلى المحبوب إلّا بالمحبوبية ليتمكّن الوصول بزوال الأجنبية و حصول الجنسية. و المحبوب الأول من الخلق محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم، ثمّ من كان أقرب منه بحسن المتابعة لأنّها تفيد المحبوبية. قال سبحانه و تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [٢] فمن اتبعه يصل إليه فيسري منه خاصية المحبوبية فيه بحيث يتأتّى منه جذب آخر إلى نفسه و إعطاؤه إيّاه الخاصية المحبوبية، كما أنّ المغناطيس يجذب الحديد إلى نفسه لجنسية روحانية بينهما فيعطيه خاصيته، بحيث يتأتّى منه جذب حديد آخر و إعطاؤه إيّاه الخاصية المغناطيسية. و لا شكّ أنّ الخاصية المغناطيسية في الحديد ليست إلّا للمغناطيس و إن وجدت منه ظاهرا فكان تلك الخاصية في المغناطيس تقول بلسان الحال أنا صفة المغناطيس، فهكذا الروح المظهر النبوي بالنسبة إلى الحضرة الإلهية كالحديدة الأولى بالنسبة إلى المغناطيس، جذبته مغناطيس الذات إليها بخاصية المحبّة الأزلية أوّلا بلا واسطة، ثم أرواح أمته بواسطة روحه روحا فروحا، متعلقة به كالحديدات المتعلّق بعضها ببعض إلى الحديدة الأولى، و كلّ حديدة ظهر فيها خاصية المغناطيس فكأنّها المغناطيس، و إن تغاير الجواهران. و إلى هذا أشار صلى اللّه عليه و آله و سلم: (من رآني فقد رأى الحقّ) [٣] و قول بعض الموحّدين من أمته أنا الحقّ. فما تكلّم به بعض أمته من كلام ربّاني أو نبوي على طريق الحكاية لا من نفسه لا يتّجه عليه الإنكار فافهم ذلك فإنّه من الأسرار العزيزة ينحلّ به كثير من المشكلات. و في مجمع السلوك بداية المحبّة موافقة ثم الميل ثم المؤانسة ثم المودّة ثم الهوى ثم الخلّة ثم المحبّة ثم الشّغف ثم التّيم ثم الوله ثم العشق. و الموافقة هي أن تعادي أعداء الحقّ كالشيطان و الدّنيا و النّفس، و أن تحبّ أحباب الحقّ و أن تتكلّم معهم و أن تحترم أوامرهم حتى تجد مكانا في قلوبهم.
و المؤانسة هي أن تهرب من الجميع و أن تطلب الحقّ كلّ الوقت (من أنس باللّه استوحش من غير اللّه).
و المودّة هي أن تكون في الخلوة مشغول القلب بإظهار العجز و التضرّع، و أن تكون في غاية الشوق و نفاد الصّبر.
و الهوى هو أن يكون قلبك دائما في المجاهدة و مقاومة النفس.
و الخلّة هو أن يسيطر المحبوب على كلّ أعضائك فلا يبقى مكان لغيره.
[١] [محبا] (م)
[٢] آل عمران/ ٣١
[٣] صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي صلى اللّه عليه و سلم، ح ١٦، ٩/ ٦٠