كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٣٦ - فائدة
التحقيق بأسمائه و صفاته حتى أن يرى أنّ ذاته ذاته فتكون هويّة العبد عين هويّة الحقّ و إنيّته عين إنيّته و اسمه اسمه و صفته صفته و ذاته ذاته، فيتصرّف في الوجود تصرّف الخليفة في ملك المستخلف و هذا وسع المحقّقين، و هذا الوسع قد يسمّى وسع الاستيفاء.
و اعلم أنّ الحق تعالى لا يمكن دركه على الحيطة و الاستيفاء أبدا أبدا، لا لقديم و لا لحديث. أمّا القديم فلأنّ ذاته لا تدخل تحت صفة من صفاته و هي العلم فلا يحيط بها و إلّا لزم منه وجود الكلّ في الجزء، تعالى اللّه عن الكلّ و الجزء، فلا يستوفيها العلم من كلّ الوجوه، بل يقال إنّه سبحانه لا يجهل نفسه لكن يعلمها حقّ المعرفة، و لا يقال إنّ ذاته تدخل تحت حيطة صفة العلمية و لا تحت صفة القدرة، و كذلك المخلوق فإنّه بالأولى لكن هذا الوسع الكمالي الاستيفائي إنّما هو استيفاء كمال ما علمه المخلوق من الحقّ لاكمال ما هو الحقّ عليه، فإنّ ذلك لا نهاية له، فهذا معنى قوله وسعني قلب عبدي المؤمن. و لمّا خلق اللّه العالم جميعه من نور محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم كان المحلّ المخلوق من إسرافيل قلب محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم، و لذا كان لإسرافيل عليه السلام هذا التوسع و القوة حتى إنّه يحيي جميع الخلائق بنفخة واحدة بعد أن يميتهم بنفخة واحدة للقوة الإلهية التي خلقها اللّه تعالى في ذات إسرافيل لأنّه محتده القلب و القلب أوسع لما فيه من القوة الذاتية الإلهية فكان إسرافيل عليه السلام أقوى الملائكة و أقربهم من الحقّ أعني من العنصريين من الملائكة، انتهى ما في الإنسان الكامل، و يجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ الهم.
و منها ما هو مصطلح الصّرفيين و هو إبدال حروف العلة و الهمزة بعضها مع بعض فهو أخصّ من الإبدال. و يطلق أيضا عندهم على تقديم بعض حروف الكلمة على بعض و يسمّى قلبا مكانيا نحو آرام فإنّ أصله أرام كما في الشافية و شرحه للرضي. و علامة صحة القلب المكاني أن يكون تصاريف الأصل تامة بأن يصاغ منه فعل و مصدر و صفة و يكون الآخر ليس كذلك فيعلم من عدم تكميل تصاريفه أنّه ليس بناء أصليا، كذا ذكر الخفاجي في تفسير قوله تعالى يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ [١]. و منها ما هو مصطلح أهل المعاني و هو جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر و الآخر مكانه، و لا ينتقض بقولنا في الدار زيد و ضرب عمروا زيد لأنّ المراد بالجعل مكان الآخر أن يجعل متّصفا بصفة لا مجرّد أن يوضع موضعه فدخل في جعل أجزاء أحد الكلام مكان الآخر ضرب زيد، حيث جعل المفعول مكان الفاعل، و خرج بقولنا و الآخر مكانه. و لا بد في الحكم بالقلب من داع لفظي أو معنوي فهو ضربان: أحدهما أن يكون الداعي إلى اعتباره من جهة اللفظ بأن يتوقّف صحة اللفظ عليه و يكون المعنى تابعا للّفظ بأن يكون معنى التركيب القلبي معنى التركيب الغير القلبي، كما إذا وقع ما هو في موقع المبتدأ نكرة و ما هو موقع الخبر معرفة، كقوله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ [٢] و كقول الشاعر:
قفي قبل التفرّق يا ضباعا
و لا يك موقفا منك الوداعا