كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣٣٥ - فائدة
و قد يذكرون اسم القلب و يريدون به النّفس و يذكرون و يريدون به الروح و يذكرون و يريدون به العقل، لكن الأصل في القلب ما ذكر و ما عداه مجاز. و قد يطلق القلب و يراد به النّفس باعتبار أنّ النّفس داخل البدن، فيقال أنّها قلب البدن كذا في مجمع السلوك. و في شرح الفصوص للجامي: القلب حقيقة جامعة بين الحقائق الجسمانية و القوى المزاجية و بين الحقائق الروحانية و الخصائص النفسانية انتهى. و في كشف اللغات: القلب في اصطلاح المتصوّفة هو جوهر نوراني مجرّد، و هو وسط بين الروح و النفس. و بهذا الجوهر تتحقق الإنسانية و يسمي الحكماء هذا الجوهر النفس الناطقة، و يدّعون أنّ النفس الحيوانية هي مركبه. انتهى [١]. و في الإنسان الكامل القلب محتد إسرافيل عليه السلام من محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم و هو النّور الأزلي و السّرّ العالي المنزّل في عين الأكوان لينظر اللّه تعالى به إلى الإنسان، و عيّر عنه بروح اللّه المنفوخ في آدم حيث قال نفخت فيه من روحي، و يسمّى هذا النور بالقلب لأمور، منها أنّه سريع التقلّب و ذلك لأنّه نقطة يدور عليها محيطة الأسماء و الصفات، فإذا قابلت اسما أو صفة بشرط المواجهة انقطعت بحكم ذلك الاسم و الصفة. و قولي بشرط المواجهة تقييد لأنّ القلب في نفسه أبدا مقابل لجميع الأسماء و الصفات، لكن مقابلة التوجّه شيء ثان و هو أن يكون القلب متوجّها لقبول أثر ذلك الشيء في نفسه فينطبع فيه فيكون الحكم عليه لذلك الاسم، و لو كانت الأسماء جميعها تحكم عليها فإنّها تكون في ذلك الوقت حكمها مستترا تحت سلطان الاسم أو الأسماء الحاكمة، فيكون الوقت وقت ذلك الاسم فيتصرّف في القلب بما يقتضيه. و منها أنّه كان خلقيا فانقلب حقّيا يعني كان مشهده خلقيا فصار مشهده حقّيا، و إلّا فالخلق لا يصير حقّا أبدا لأنّ الحقّ حقّ و الخلق خلق لا يتبدّل، لكن من كان له أصل رجع إليه. قال تعالى وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [٢]. و منها ما عندي و هو أنّ العالم إنّما هو مرآة القلب فالأصل و الصورة هو القلب و الفرع و المرآة هو العالم فصحّ فيه اسم القلب لأنّ كلّا من الصورة و المرآة قلب الثاني أي عكسه، و ما يدلّ على أنّ القلب هو الأصل و العالم هو الفرع قوله تعالى «لا يسعني أرضي و لا سمائي و يسعني قلب عبدي المؤمن» [٣]، و لو كان العالم هو الأصل لكان أولى بالوسع من القلب. ثم اعلم أنّ هذا الوسع على ثلاثة أنواع كلّها شائعة في القلب. الأول هو وسع العلم و ذلك هو المعرفة باللّه فلا شيء في الوجود يعرف آثار الحق و يعرف ما يستحقّه كما ينبغي إلّا القلب، لأنّ كلّ شيء سواه إنّما يعرف ربه من وجه دون وجه، لا من كلّ الوجوه فهذا أوسع. و الثاني هو وسع المشاهدة و ذلك هو الكشف الذي يطلع القلب على محاسن جمال اللّه تعالى به فيذوق لذّة أسمائه و صفاته بعد أن يشهدها، و لا شيء سواه كذلك فإنّه إذا تعقّل مثلا علم اللّه تعالى بالموجودات و سار في فلك هذه الصفة ذاق لذّتها و علم بمكانة هذه الصفة من اللّه، ثم في القدرة كذلك ثم في جميع أوصاف اللّه و أسمائه تعالى، فإنّه يتّسع كذلك و هذا الوسع للعارفين. الثالث وسع الخلافة و هو
[١] و في كشف اللغات قلب در اصطلاح متصوفه جوهر نوراني مجرد است و متوسط ميان روح و نفس و باين جوهر تحقيق مىيابد انسانيت و حكماء اين جوهر را نفس ناطقه نامند و نفس حيوانيه را مركب او ميخوانند
[٢] العنكبوت/ ٢١
[٣] هو حديث قدسي، العجلوني، كشف الخفاء، ح ٢٢٥٦، ٢/ ٢٥٥، بلفظ: (ما وسعني ...) ابن عراق الكتاني، ابو الحسن علي بن محمد (- ٩٦٣ ه)، تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، بيروت، دار الكتب العلمية، ح ٤٠، ١/ ٤٨١. و ذكر أن ابن تيمية اعتبره حديثا موضوعا.