كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٣٨ - التقسيم
وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي [١] الآية أي جبرئيل كما في قراءة ابن مسعود كذا في الاتقان.
العمى:
[في الانكليزية]Blindness
[في الفرنسية]Cecite ،aveuglement
بفتح العين و الميم لغة عدم البصر عمّا من شأنه أن يكون بصيرا. فالحجر لا يتّصف بالعمى. و عند الصوفية عبارة عن حقيقة الحقائق التي لا تتصف بالحقيقة و لا بالخلقية، فهي ذات محض لأنّها لا تضاف إلى مرتبة لا حقية و لا خلقية، فلا تقتضي لعدم الإضافة وصفا و لا اسما. و هذا معنى قوله عليه السلام: إنّ العمي ما فوقه هواء و ما تحته هواء [٢]، يعني لا حقّ و لا خلق، فصار العمى مقابلا للأحدية. فكما أنّ الأحدية تضمحلّ فيها الأسماء و الصفات و لا يكون لشيء فيها ظهور، كذلك العمي ليس لشيء من ذلك فيه مجال و لا ظهور. فالفرق بين العمى و الأحدية أنّ الأحدية حكم الذات في الذات بمقتضى التعالي و هو الظهور الذاتي الأحدي، و العمى حكم الذات بمقتضى الإطلاق، فلا يفهم منه تعال و لا تدان و هو البطون الذاتي العمائي، فهي مقابلة للأحدية، تلك صرافة الذات بحكم التجلّي و هذه صرافة الذات بحكم الاستتار، فتعالى اللّه أن يستتر عن نفسه من تجلّ و يتجلّى لنفسه عن الاستتار، هو على ما يقتضيه ذاته من التجلّي و الاستتار و البطون و الظهور و الشئون و النّسب و الاعتبارات و الإضافات و الأسماء و الصفات، لا يتغيّر و لا يتحوّل و لا يلتبس شيئا، بل حكم ذاته هو ما عليه منذ كان، و لا يكون إلّا على ما كان، لا تبديل لخلق اللّه أي لوصف اللّه الذي هو عليه، إنّما هو بحكم ما يتجلّى به علينا و يظهر به لنا و هو في نفسه على ما هو عليه من الأمر الذي كان له قبل تجليه علينا و ظهوره لنا، و بعد ذلك فهو على ذلك الحكم. لا يقبل ذاته إلّا التجلّي الذي هو عليه، فليس له إلّا تجلّ واحد، و ليس للتجلّي الواحد إلّا اسم واحد، و ليس للاسم الواحد إلّا وصف واحد، و ليس للجميع إلّا واحد غير متعدّد، فهو متجلّ لنفسه في الأزل بما هو متجلّ له في الأبد. و بالجملة فإنّ هذا التجلّي الذاتي الذي هو عليه جامع لأنواع التجلّيات البواقي لا يمنعه كونه في هذا التجلّي أن يتجلّى بتجلّ آخر. لكن حكم التجلّيات الأخر تحته كحكم الأنجم تحت الشمس موجودة معدومة، على أنّ نور الأنجم في نفسها من نور الشمس، و كذلك باقي التجلّيات الإلهية إنّما هي رشحة من سماء هذا التجلّي و قطرة من بحره.
ثم اعلم بعد أن أعلمناك أنّ العمى هو نفس الذات باعتبار الإطلاق في البطون و الاستتار و أنّ الأحدية هي نفسه باعتبار التعالي في الظهور و التجلّي مع وجوب سقوط الاعتبارات فيها. و قولي باعتبار الظهور و اعتبار الاستتار إنّما هو لإيصال المعنى إلى فهم السامع، لا أنّه من حكم العمى اعتبار البطون أو من حكم الأحدية اعتبار الظهور فافهم.
اعلم أنّ هذا التجلّي الواحد هو المستأثر الذي لا يتجلّى به لغيره، فليس للخلق فيه نصيب البتّة البتّة، لأنّ هذا التجلّي لا يقبل الاعتبار و لا الانقسام و لا الإضافة و لا الأوصاف و نحوها. و متى كان لخلق فيه نسبة احتاجت إلى اعتبار أو نسبة أو وصف، و كلّ هذا ليس من حكم هذا التجلّي الذي هو عليه في ذاته من الأزل إلى الأبد، كذا في الانسان الكامل. و يقول في لطائف اللغات: العمى في
[١] آل عمران/ ٣٩
[٢] سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب من سورة هود، ح ٣١٠٩، ٥/ ٢٨٨.
عند ما سئل صلّى اللّه عليه و سلم عن مكان رب العالمين قبل خلقه الخلق قال: (كان في عماء ما تحته هواء و ما فوقه هواء)