كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٠٩ - فائدة
فيه. قال علي بن المديني [١]: الباب إذا لم يجمع طرقه لم يتبيّن خطأه. و بالجملة فهو من أغمض أنواع علوم الحديث و أدقّها و لا يقوم به إلّا من رزقه اللّه فهما ثابتا و حفظا واسعا و معرفة تامة بمراتب الرواة و ملكة قوية بالأسانيد و المتن. و لهذا لم يتكلّم فيه إلّا قليل من أهل هذا الشأن كعلي بن المديني و أحمد بن حنبل و البخاري و الدارقطني و يعقوب [٢] و نحوهم. و قد يقصر عبارة المعلّل عن إقامة الحجّة على دعواه كصيرفي نقد الدراهم و الدنانير حتى قال البعض إنّه إلهام لو قلت له من أين قلت هذا لم يكن له حجة.
و قد تطلق العلّة عندهم على غير المعنى المذكور ككذب الرّاوي و فسقه و غفلته و سوء حفظه و نحوها من أسباب ضعف الحديث كالتدليس. و الترمذي يسمّي النّسخ علّة. قال السخاوي فكأنّه أراد علّة مانعة من العمل لا الاصطلاحية. و أطلق بعضهم على مخالفة لا تقدح في الصحة كإرسال ما وصله الثّقة حتى قال: من الصحيح ما هو معلّل، كما قال آخر:
من الصحيح ما هو شاذ. هذا خلاصة ما في شرح النخبة و شرحه و خلاصة الخلاصة.
و منها ما يسمّى علّة عقلية و هي في اصطلاح الحكماء ما يحتاج إليه الشيء إمّا في ماهيته كالمادة و الصورة أو في وجوده كالغاية و الفاعل و الموضوع، و ذلك الشيء المحتاج يسمّى معلولا، و هذا أولى مما قيل العلّة ما يحتاج إليه الشيء في وجوده لعدم توهّم خروج علّة الماهية عنه. و إنّما قلنا الأولى لأنّ علّة الماهية لا تخرج عن هذا التعريف أيضا لأنّ المعلول المركّب من المادة و الصورة يتوقّف وجوده أيضا عليهما، و توقّف الماهية عليهما لا ينافي ذلك. إن قيل يخرج من التعريفين علّة العدم، قلت العلّية في العدم مجرّد اعتبار عقلي مرجعه عدم علّية الوجود للوجود. ثم المحتاج إليه أعمّ من أن يكون محتاجا إليه بنفسه أو باعتبار أجزائه، فيشتمل التعريف العلّة التامة المركّبة من المادة و الصّورة و الفاعل فإنّه محتاج إليه باعتبار الفاعل. و أمّا ذاته أعني المجموع فهو محتاج إلى مجموع المادة و الصّورة الذي هو عين المعلول احتياج الكلّ إلى جزئه.
ثم العلّة على قسمين علّة تامّة و تسمّى علة مستقلّة أيضا، و علّة غير تامة و تسمّى علة ناقصة و غير مستقلّة. فالعلّة التامة عبارة عن جميع ما يحتاج إليه الشيء في ماهيته و وجوده أو في وجوده فقط كما في المعلول البسيط، و الناقصة ما لا يكون كذلك، و معناه أن لا يبقى هناك أمر آخر يحتاج إليه لا بمعنى أن تكون مركّبة من عدة أمور البتّة، و ذلك لأنّ العلّة التامة قد تكون علّة فاعلية إمّا وحدها كالفاعل الموجب الذي صدر عنه بسيط إذا لم يكن هناك شرط يعتبر وجوده، و لا مانع يعتبر عدمه، و إمّا إمكان الصادر فهو معتبر في جانب المعلول، و من تتمته، فإنّا إذا وجدنا ممكنا طلبنا علّته، فكأنّه قيل العلّة ما يحتاج إليه الشيء الممكن الخ فلا يعتبر في جانب العلّة. و أمّا التأثير و الاحتياج و الوجود المطلق الزائد على ذاته تعالى
[١] هو علي بن عبد اللّه بن جعفر السعدي المديني البصري، أبو الحسن. ولد بالبصرة عام ١٦١ ه/ ٧٧٧ م، و توفي في سامراء عام ٢٣٤ ه/ ٨٤٩ م. محدّث مؤرخ، من الحفاظ، له العديد من المؤلفات. الاعلام ٤/ ٣٠٣، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥، تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٩، طبقات الحنابلة ١٦٨، ميزان الاعتدال ٢/ ٢٢٩.
[٢] هو يعقوب بن ابراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي، أبو يوسف الدّورقي. ولد عام ١٦٦ ه/ ٧٨٢ م، و توفي عام ٢٥٢ ه/ ٨٦٦ م. محدّث العراق في عصره، ثقة حافظ، أخذ عنه أئمة السنة، له عدة مؤلفات. الاعلام ٨/ ١٩٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ٨٠، التاج ٦/ ٣٤٣، تهذيب ١١/ ٣٨١.