موسوعة الأسـئلة العقائدية - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٣١٧
ولم يكن الخلاف بين المدرستين حول حجّية الحديث النبويّ الشريف ، فجميعهم يقبلون على الحديث إن ثبت عندهم وصحّ لديهم ، فهو حجّة يجب اتباعه عند الجميع ، لكن الذي ميّز المدرستين هو المنهج في قبول الحديث وردّه .
فمدرسة الحديث تقبل كلّ ما جاء من طرق معتبرة سنداً عندهم ، أي ما كان سلسلة رواته عدولاً ثقات ، وإن كان خبر آحاد ، بغضّ النظر عن موافقته للكتاب أو مخالفته ، وسواء وافق عمل وسيرة المسلمين أم لا ، بل اكتفى مالك حتّى بعمل أهل المدينة فجعله مصدراً من مصادر التشريع في الحكم .
بينما مدرسة الرأي ترفض هذا المنهج ، ولها منهج أشدّ دقّة وسداداً ، حيث تنظر الحديث متناً وسنداً ، ومدى توافقه مع القرآن الكريم أو آثار الصحابة ، ولهم في ذلك قواعد بنوا عليها منهجهم في النقد ، ففي المتن يردّونه مادام يخالف الكتاب أو آثار الصحابة ، حتّى ولو رواه مثلاً البخاريّ أو مسلم أو غيرهما بسند اعتمده أهل الحديث .
وما أكثر الشواهد على ردّ أحاديث وردت في البخاريّ ، كان أبو حنيفة قد نقدها وردّها ، فجاء البخاريّ فأخرجها في صحيحه ، وهنا نسأل الأحناف اليوم لمن يتبّعون في تلك الأحاديث قبولاً وردّاً ، لإمامهم أبي حنيفة إذ ردّها قبل خلق البخاريّ ؟ أو للبخاري الذي رواها في صحيحه وهم يقدّسون صحيحه بإفراط ؟
وقبل أن نفيض بذكر تلك الأحاديث إذ لا حاجة بنا إلى ذكرها ، لكن أردنا أن نعلم الزاعم المهرّج ، أنّ انقسام الفقهاء إلى مدرستين ، مدرسة رأي ومدرسة أثر كان من عهد التابعين ، واستمر الحال على ذلك حتّى بعد تميّز المذاهب الأربعة من أهل السنّة ، وكذلك كان الشيعة الإمامية .
فقد حصل الانقسام بين فقهائهم منذ عهد الأئمّة (عليهم السلام) وما بعده ، فاتسعت أخيراً الهوة بين المحدّثين ـ الإخباريّين ـ والأُصوليّين ، فكان لكلّ منهم منهج خاصّ