نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠ - القسم الثالث العود على ذمّ أصحاب الدنيا
لعدّة أيّام متتاليات، أو لا يغتمون إن حرموا لسنوات من فيوضات التهجد وقيام الليل، بينما يضجرهم خسران بضعة دارهم، فلا يتمالكون أنفسهم عن الزعيق بمن حولهم، ولعل هذا التفاوت الواضح والمخجل يستند إلى أحد أمرين: إمّا ضعف إيمانهم بالآخرة والوعد والوعيد الإلهي، أو أنّهم مؤمنون بالآخرة والوعد والوعيد غير أنّ الهوى قد أحاط بقلوبهم واستولى على أنفسهم وسيطرت عليهم الغفلة بحيث لم يعودوا يروا سوى الدنيا وحطامها ومتاعها الزائل.
ثم واصل عليه السلام كلامه بالحديث عن نقطة ضعف أخرى يمتاز بها طلّاب الدنيا والتي تتمثل بعدم قدرة أي أحد منهم على التعرض لعيوب أخيه (بهدف الإصلاح والنهي عن المنكر) ما ذلك إلّاخشية أنّ يجابهه بنفس ذلك العيب:
«وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ، إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ».
فالعبارة تشير إلى حرمانهم من إصلاح بعضهم البعض الآخر رغم إتصافهم بكل تلك العيوب الناشئة من حبّ الدنيا، وذلك لأنّه لا يجرأ أحد منهم أن يتصدى للإصلاح فهو يخشى الردّ من الآخرين الذين ينبرون له ويقولون: إنّ هذا العمل أو ذاك شيئاً فلم نفعله؟ وإن كنت طبيباً فهلّاً عالجت نفسك قبل أن تهم بعلاج الآخرين (طبيب يداوي الناس وهو عليل)؟
وهل يصح اطلاق الحجر ممن كان بيته من الزجاج؟!
ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته بالقول كأنّكم قد اتفقتم على نبذ الآخرة والذوبان في الدنيا وقد أصبح الدين لقلقة لسان، وأنّكم لأشبه بمن قام بعمله وأحرز رضى سيده ومولاه:
«قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآجِلِ وَحُبّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً [١] عَلَى لِسَانِهِ. صَنِيعَ
مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَأَحْرَزَ رِضَا سَيّدِهِ».
قد تحصل أحياناً بعض الأفعال الشائنة بين الناس دون أن يكون هناك إتفاق مسبق عليها، إلّاأنّها على درجة من التناغم والتنسيق والانسجام وكأنّهم حضروا عدّة جلسات مخططة ومبرمجة، وقد اتفقوا على كل شيء، وما هذا إلّالتشابه الدوافع في مثل هذه الامور،
[١] «لعقة»: من مادة «لعق» على وزن فرق بمعنى لحس الشيء وتطلق اللعقة على القليل من الطعام الذييجعله الإنسان بأصبعه أو ملعقة صغيرة على لسانه ويبتلعه بسرعة، وهى كناية عن الشيء المختصر.