نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢ - القسم الأول فلسفة الإمتحان الإلهي
في الآية ١٥ و ١٦ من سورة الاسراء: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا* وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً»، هنا يطرح هذا السؤال وهو عدم انسجام ما ورد في هذه الخطبة والآيات القرآنية الواردة بهذا الشأن ومبدأ استقلال حكم القتل، فالحجة تتم على الإنسان من خلال العقل الذي يحكم بحسن وقبح الأشياء (كإدراكه لحسن العدل وقبح الظلم) وعليه فهو يستحق العقاب أو الثواب حتى دون بعث الأنبياء والرسل، ونقول في الإجابة عن هذا السؤال صحيح أنّ هناك استحقاقاً للثواب والعقاب وإرادة الحق تبارك وتعالى ومن باب اللطف بالعباد واقتضت عدم مؤاخذة العباد وعقابهم ما لم تويد المستقلات العقلية بواجبات الشرع ومحرماته التي تعين عن طريق الوحي.
ومن هنا تتضح عدم الحاجة للإجابة التي ذكرها بعض شرّاح نهج البلاغة حيث صرّحوا بأنّ هذه الآية في حكم العموم الذي يخصص في المستقلات العقلية.
وبعبارة أخرى: إنّ اللَّه تعالى لا يعاقب شخصاً دون بعث الأنبياء ونزول الوحي سوى في المستقلات العقلية من قبيل قبح الظلم والجور والسرقة وقتل النفس، ثم خاض الإمام عليه السلام في مطلب آخر في إطار مواصلة لكلامه والذي يتمثل بفلسفة الإمتحان الإلهي فقال:
«أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً؛ لَاأَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ وَمَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ؛ وَلكِنْ «لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» فَيَكُونَ الثَّوَابُ جَزَاءً، وَالْعِقَابُ بَوَاءً [١]».
فقد كشف الإمام عليه السلام بهذه العبارة اللثام عن مسألة مهمّة حيث لا معنى لمفهوم الامتحان بالنسبة للَّهبالشكل الذي تعارف على العباد، فالهدف من اختبار العباد لرفع الجهل والإبهام، لمعرفة الأشياء و التعرف على الأشخاص، وليس لمثل هذه الأمور من مفهوم لمن كان الغيب والشهادة والظاهر والباطن عنده سواء، بل هدف البلاء الإلهي هو أن يظهر الإنسان ما يبطنه لتتحقق مسألة استحقاق الثواب والعقاب.
وبعبارة أوضح: لا يمكن إثابة الفرد أو معاقبته على ما يضمره من نيّات حسنة أو سيئة، بل يترتب الثواب والعقاب على ما يصدر منه من أعمال وأفعال تفرزها النيّات، وهذا ما بيّنه
[١] «بواء»: تعني في الأصل العودة والنزول ثم أطلقت على العقوبة المستمرة والمتواصلة وهذا هو المعنى المراد بها في الخطبة.