نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - القسم الثالث إلهي أمطرنا مطراً مباركاً
فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارات إلى مسألة وهى إننا إن عددنا حاجاتنا ومشاكلنا الواحدة بعد الأخرى لا على أساس إنّك لا تعلمها، بل لأنّك تحبّ أن يطرح العباد مشاكلهم بألسنتهم ويقرون بعجزهم وسعة حاجاتهم، ثم أشار إلى أربع مشاكل تشترك مع بعضها من جهات وتشترك في أخرى وهى: صعوبات الحياة والجدب والقحط و الرغبات التي يتعذر نيلها في الشرائط العادية، وأخيراً الفتن الصعبة والمزعجة، وهى المشاكل التي لا يرجى حلّها إلّا من اللَّه تبارك وتعالى، ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ حَاجَتَكَ وَما تُريدُ وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ أَن تَبُثَّ إِلَيهِ الحَوائِجَ» [١].
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه فقال:
«اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ [٢]، وَلَا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا، وَلَا تُقَايِسَنَا تناقشنا بِأَعْمَالِنَا».
فليس هنالك من سبيل للنجاة إن عاملتنا على أساس أعمالنا، فنسألك أن بحملنا على لطفك وكرمك وألّا نرجع خائبين من بابك، والطبع فانّ هذه الأدعية وإن اشتملت على الطلبات المؤكدة من اللَّه تبارك وتعالى، فهى تنطوي على الدروس العميقة المعنى للسامعين ليقضوا على آثار ذنوبهم وشناعة أعمالهم فيسارعوا لإصلاح أنفسهم، وتشتمل أغلب الأدعية التي تردنا عن المعصومين عليه السلام على هذه الأمور التربوية.
وأخيراً طرح طلبه النهائي قائلًا:
«اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَبَرَكَتَكَ، وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ؛ وَاسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً نافعة مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً [٣]، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَد مَاتَ. نَافِعَةَ الْحَيَا [٤]، كَثِيرَةَ الُمجْتَنَى، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ [٥]، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ، وَتَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ، وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ؛ «إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ» [٦].
[١] في ظلال نهج البلاغة ٢/ ٣١٩.
[٢] «واجم»: من مادة «وجم» على وزن نجم من اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام.
[٣] «معشبة»: من مادة «عشب» على وزن شرف نمو النبات.
[٤] «الحيا»: بمعنى المطر ووفرة النعمة.
[٥] «القيعان»: جمع «قاع وقاعة» الأرض السهلة الواسعة كما تطلق أحياناً على الأرض التي تتجمع فيها المياه.
[٦] والجدير بالذكر قد نزلت الآن (حين كتابتي لهذه السطور في العاشر من رمضان عام ١٤٢٣ ه) أمطار مفعمة بالبركة والخير بعد جفاف طويل، ويبدو أنّ هذا المطر ينطوي إن شاء اللَّه تعالى على جميع الصفات التي ذكرها الإمام عليه السلام في هذه الخطبة.