نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٤ - القسم الثالث شرائط حكّام العدل
وتطبق القوانين والأحكام وتوكل زعامة الامة وإمامتها إلى الصالحين من أفرادها، فان كان إمام الخلق بخيلًا اقتصرت همّته وشهوته على جمع الأموال وضحى بكل شيء من أجل بلوغ هذا الهدف، فلا من أمن واستقرار، ولا من احترام للقوانين والأحكام.
ثم قال عليه السلام في بيان الصفة الثانية:
«وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ»،
فلا شك أنّ العلم بالأحكام والموضوعات والأساليب الصحيحة تعدّ من أهم دعائم الحكومة وليس للجهّال من الأفراد قدرة إدارة شؤون الحكومة وإن صفت نيّتهم واتصفوا بالورع و التقوى، فهم يقودون الامة إلى المجهول بجهلهم.
وقال عليه السلام في بيان الصفة الثالثة:
«وَلَا الْجَافِي [١] فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ»،
فمن أبرز صفات والي العدل العطف والمحبّة والسماحة والمدارسة، ونعلم بأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قد استقطب القلوب البعيدة عن الحق بهذه الشفقة والمحبّة، وهذه رحمة إلهيّة كبرى كما وصفها القرآن الكريم بالقول:
«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ...» [٢].
ثم قال عليه السلام في الصفة الرابعة:
«وَلَا الْحَائِفُ [٣] لِلدُّوَلِ [٤] فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ»،
وهذا هو البلاء الذي أصاب عثمان، وقد سدّد الضربات المهلكة للمجتمع الإسلامي بحيث لا يمكن معالجتها، فقد أغدق أموال بيت المال المسلمين على قرابته وبطانته ومتملقيه، ممّا أدّى إلى قيام المظلومين عليه حتى قتلوه فظهرت الخلافات العظيمة بين الناس آنذاك وما زالت أثارها باقية.
ثم قال عليه السلام في الصفة الخامسة:
«وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ [٥]»،
فأهم عامل للحكم بالظلم والجور هو الرشوة التي يقدمها أصحاب الثراء والقدرة فيغيرون مسار القضاء ليصدر أحكامه لصالحهم ضد أصحاب الحق فيحولون دون إجراء الحق والعدل.
[١] «الجافي»: من مادة «جفاء» تعني قي الأصل العنف وأخذ الشيء.
[٢] سورة آل عمران/ ١٥٩.
[٣] «الحائف»: من مادة «حيف» بمعنى الظلم والجور وتعني في الأصل الانحراف في الحكم التمييز.
[٤] «دول»: جمع «دولة» بمعنى المال.
[٥] «المقاطع»: جمع «مقطع» بمعنى أخر كل شيء، كما تطلق هذه المفردة أحياناً على الحدود الإلهيّة التيتنتهي بجرم المجرمين وقد وردت بهذا المعنى في العبارة، وفي إشارة إلى أنّ القاضي إن كان مرتشياً فانّه لا يأذن باجراء حدود اللَّه تعالى.