نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٤ - القسم الثاني بذلنا ما فيالوسع من أجل الوحدة
إِيمَاناً، وَمُضِيّاً عَلَى الحَقِّ، وَتَسْلِيماً لِلْأَمْرِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ [١] الجِرَاحِ».
نعم، لقد كنّا نهجم بشدّة آنذاك على العدو، وإن كان فيهم إخواننا وقرابتنا، فالمصاب وإن عظم علينا، لكن حيث كان ذلك يأمر فقد كنّا نزداد إيماناً، ولم نجابه كل مصائب المعارك وجراحاتها إلّابالصبر والشكر:
«وَلكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالاعْوِجَاجِ، وَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ. فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُ [٢] اللَّهُ بِهَا شَعَثَنَا [٣]، وَنَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيَما بَيْنَنَا، رَغِبْنَا فِيهَا، وَأَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا».
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى أن قياس زمانه بزمان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله هو قياس مع الفارق، وذلك لأنّ القتال ذلك الزمان كان يدور مع العدو الخارجي، بينما أصبح زمان الإمام عليه السلام ضد الأصدقاء المخدوعين والمنحرفين من الداخل، فالواقع يستند موقف الإمام عليه السلام في قبول التحكيم إلى الآية الشريفة: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [٤].
صحيح أنّ أصل مسألة التحكيم خدعة ولم يكن أمراء جيش الشام يعتقدون بالقرآن، ولهذا السبب كان الإمام شديد المخالفة في بادىء الأمر، لكنّه استجاب لذلك الأمر بعد ذلك الضغط الشديد الذي مارسه السواد الأعظم المخدوع من جيشه مع ذلك كان بالإمكان أن تتمخض مسألة التحكيم عن نتائج مرضية لو خضعت لقيادة سليمة، ولكن كما نعلم فانّ ضغوط الجهّال قد دفعوا التحكيم إلى مسار لا يجر عليهم سوى الضرر والخسارة.
[١] «مضض»: الألم والحرقة.
[٢] «يلمّ»: من مادة «لمّ» على وزن غمّ بمعنى جمع، وتأتي أحياناً بمعنى الجمع والإصلاح.
[٣] «شعث»: وردت في الأصل بمعنى ما يقع عليه الغبار، ثم يطلق على نوع من التشتت والتفرق.
[٤] سورة الحجرات/ ٩.