نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩ - القسم الأول الدنيا الغرارة!
. وقال تعالى أيضاً: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» [١].
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ نِعم الدنيا وسرورها إلى إنقطاع ولا دوام لها، وليس هناك من شخص بمنأى عن مشاكلها وفجائعها، ورصيدها الخداع والغرور والضرر والخسران، معروفة بالفناء والزوال وعاقبة أمر سكانها وعمارها الهلاك والعدم:
«لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا [٢]، وَلَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا. غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ [٣] زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ [٤] بَائِدَةٌ [٥]، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ [٦]».
نقد تناول الإمام عليه السلام الدنيا ليتحدث بهذه العبارات الرائعة البيان عن تقلب أحوالها وعدم ثباتها، فليس هنالك من دوام واستمرار لأيمن مفرداتها من قبيل حلاوتها وطلاوتها ونعمها وثرواتها وإمكاناتها وآمالها ورغباتها ونشاطها وعنفوان الشباب فيها، فكل هذه الامور محكومة بالفناء والزوال، وبناءاً على هذا فلا يركن إليها إلّاالجاهل الغافل.
ثم اختتم عليه السلام كلامه- في هذا القسم من الخطبة- بالقول:
«لَا تَعْدُو- إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرّضَاءِ بِهَا- أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ: «كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً [٧] تَذْرُوهُ الرّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً» [٨]».
فقد عزز الإمام عليه السلام إثبات مراده من خلال التمسك والاستشهاد بالتشبيه الرائع الذي أورده القرآن في سورة الكهف بشأن الدنيا، وكأنّي به قد اصطحب المخاطب إلى حيث الصحراء
[١] سورة الحِجْر/ ٣.
[٢] «حبرة»: من مادة «حبر» باالفتح السرور والنعمة.
[٣] «حائلة»: من مادة «حول» على وزن قول المتغيرة.
[٤] «نافدة»: من مادة «نفاد» بمعنى الفناء والعدم والزوال.
[٥] «بائدة»: من مادة «بيد» على وزن صيد هالكة.
[٦] «غوالة»: من مادة «غول» على وزن قول الهلكة المباغتة.
[٧] «هشيماً»: من مادة «هشم» بمعنى كسر الأشياء ومن هنا تطلق على النبت اليابس المكسّر.
[٨] سورة الكهف/ ٤٥.