نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - القسم الاوّل الأمل باللَّه في القحط والجفاف
الثَّكَالَى [١] عَلَى أَوْلادِهَا، وَمَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا، وَالْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا!».
فققد رسم الإمام عليه السلام صورة واضحة بعبارات فصيحة عن الجفاف الشديد الذي أصاب الناس في ذلك الزمان، وكشف النقاب عن وضع الجبال والأراضي والمراتع والدواب، ثم رفع يديه بالدعاء مبتهلًا إلى اللَّه:
«اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الْآنَّةِ [٢]، وَحَنِينَ الْحَانَّةِ! [٣]».
كما شكى شدّة عطش الدواب وجوعها وصراخها في أماكنها:
«اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا، وَانِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا! [٤]».
وأردف قائلًا:
«اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِين اعْتَكَرَتْ [٥] عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السّنِينَ [٦]، وَأَخْلَفَتْنَا [٧]
مَخَايِلُ [٨] الْجَوْدِ [٩]».
إنّ دقّة العبارات التي استخدمها الإمام عليه السلام في هذا الدعاء تشير إلى مدى حرقة الإمام عليه السلام والناس من جانب، ومن جانب آخر تستبطن تصويراً عميقاً لتلك الحادثة، فحدابير جمع حدبار تستخدم بشأن الجمل الذي تبين عظام سنامه وقد حز لحمه بصورة تامة إثر شدّة الضعف (بسبب الجوع أو كثرة المشي).
فقد شبّه الإمام عليه السلام الجفاف المتواصل بهذا الجمل، ومن الطبيعي أن يدعو منظره إلى الأسى والحزن، كما أنّ ركوبه يبدو متعذراً شاقاً.
أمّا العبارة التي تضمنت «آنّة» و «حانّة» التي تستخدم كله منهما بشأ تألم الحيوان حيث
[١] «ثكالى»: جمع «ثكلى» المرأة التي مات إبنها.
[٢] «آنة»: من مادة «أنين» وعادة ما تطلق على الشاة التي تتألم.
[٣] «حانة»: من مادة «حنين» التي تطلق على الجمل حين يتألم.
[٤] «موالج»: جمع «مولج» مدخل الشيء.
[٥] «اعتكرت»: من مادة «عكر» على وزن مكر بمعنى الهجوم.
[٦] «سنين»: اسم جمع السنوات، لكنّها ترد عادة في العبارات كالعبارة المذكورة بمعنى القحط والجفاف (ورد معنيان لسنين في قاموس اللغة أحدهما بمعنى السنة والآخر بمعنى الجفاف والقحط).
[٧] «أخلفتنا»: من مادة «خلاف» بمعنى المخالفة.
[٨] «مخايل»: جمع «مخيلة» على وزن قبيلة بمعنى الغيوم التي يأمل الإنسان بنزول المطر منها لكنّها ليست بماطرة.
[٩] «جود»: لفتح الجيم جمع «جائد» المطر الكثير والجود بالضم بمعنى السخاء والهبة.